جلال الدين السيوطي

459

الإتقان في علوم القرآن

وهل هي حرف بمنزلة لام العلة ، أو ظرف بمعنى وقت ، والتعليل مستفاد من قوة الكلام لا من اللفظ ؟ قولان ، المنسوب إلى سيبويه الأول . وعلى الثاني : في الآية ( إشكال ؛ لأن ( إذ ) لا تبدل من اليوم لاختلاف الزمانين ، ولا تكون ظرفا ل ( ينفع ) ؛ لأنه لا يعمل في ظرفين ، ولا ل ( مشتركون ) ؛ لأن معمول خبر ( إنّ ) وأخواتها لا يتقدم عليها ، ولأنّ معمول الصّلة لا يتقدم على الموصول ، ولأنّ اشتراكهم في الآخرة ، لا في زمن ظلمهم . وممّا حمل على التعليل : وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هذا إِفْكٌ قَدِيمٌ [ الأحقاف : 11 ] . وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَما يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ [ الكهف : 16 ] وأنكر الجمهور هذا القسم ، وقالوا : التقدير : ( بعد إذ ظلمتم ) . وقال ابن جنّي : راجعت أبا عليّ مرارا في قوله تعالى : وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ الآية ، مستشكلا إبدال ( إذ ) من ( اليوم ) ، وآخر ما تحصّل منه : أنّ الدنيا والآخرة متّصلتان ، وأنهما في حكم اللّه سواء ، فكأنّ اليوم ماض . انتهى . الوجه الثالث : التوكيد ، بأن تحمل على الزيادة . قاله أبو عبيدة ، وتبعه ابن قتيبة ، وحملا عليه آيات منها : وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ [ البقرة : 30 ] . الرابع : التحقيق كقد ، وحملت عليه الآية المذكورة . وجعل منه السّهيلي قوله : بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [ آل عمران : 80 ] ، قال ابن هشام : وليس القولان بشيء . مسألة : تلزم ( إذ ) الإضافة إلى جملة : إما اسمية نحو : وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ [ الأنفال : 26 ] . أو فعلية فعلها ماض لفظا ومعنى ، نحو : وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ [ البقرة : 30 ] . وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ [ التوبة : 124 ] . أو معنى لا لفظا نحو : وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ [ الأحزاب : 37 ] . وقد اجتمعت الثلاثة في قوله تعالى : إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُما فِي الْغارِ إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ [ التوبة : 40 ] . وقد تحذف الجملة للعلم بها ، ويعوّض عنها التنوين ، وتكسر الذّال لالتقاء الساكنين ، نحو : وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ [ الروم : 4 ] . وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ ( 84 ) [ الواقعة : 84 ] . وزعم الأخفش أنّ ( إذ ) في ذلك معربة ، لزوال افتقارها إلى الجملة ، وأن الكسرة إعراب ؛ لأن اليوم والحين مضافان إليها . وردّ بأن بناءها لوضعها على حرفين ، وبأنّ الافتقار باق في المعنى ، كالموصول تحذف صلته .