جلال الدين السيوطي
441
الإتقان في علوم القرآن
وأشار آخرون إلى أنّ المراد به استعمال الإشارات الباطنة ، وعدم الاقتصار على التفسير الظاهر . وقد أخرجه ابن عساكر في تاريخه ، من طريق حمّاد بن زيد ، عن أيوب عن أبي قلابة ، عن أبي الدرداء ، قال : إنّك لن تفقه كلّ الفقه حتى ترى للقرآن وجوها . قال حمّاد : فقلت لأيّوب : أرأيت قوله : حتى ترى للقرآن وجوها ، أهو أن يرى له وجوها فيهاب الإقدام عليه ؟ قال : نعم ، هو هذا . وأخرج ابن سعد ، من طريق عكرمة ، عن ابن عباس : أنّ عليّ بن أبي طالب أرسله إلى الخوارج ، فقال : اذهب إليهم فخاصمهم ، ولا تحاجّهم بالقرآن فإنه ذو وجوه ، ولكن خاصمهم بالسنة . وأخرج من وجه آخر أنّ ابن عباس قال له : يا أمير المؤمنين ، فأنا أعلم بكتاب اللّه منهم ، في بيوتنا نزل . قال : صدقت ، ولكن القرآن حمّال ذو وجوه ، تقول ويقولون ، ولكن خاصمهم بالسنن ، فإنهم لن يجدوا عنها محيصا . فخرج إليهم فخاصمهم بالسّنن فلم تبق بأيديهم حجّة . وهذه عيون من أمثلة هذا النوع : من ذلك : الهدى ، يأتي على سبعة عشر وجها « 1 » : بمعنى الثبات : اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ ( 6 ) [ الفاتحة : 6 ] . والبيان : أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ [ البقرة : 5 ] . والدين : إِنَّ الْهُدى هُدَى اللَّهِ [ آل عمران : 73 ] . والإيمان : وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدىً [ مريم : 76 ] . والدعاء : وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ [ الرعد : 7 ] ، وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا [ الأنبياء : 73 ] . وبمعنى الرّسل والكتب : فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً [ البقرة : 38 ] . والمعرفة : وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ [ النحل : 16 ] . وبمعنى النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم : إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَالْهُدى [ البقرة : 159 ] . وبمعنى القرآن : وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدى [ النجم : 23 ] . والتوراة : وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْهُدى [ غافر : 53 ] .
--> ( 1 ) انظر كشف السرائر ص 26 - 32 ، ونزهة الأعين ص 625 - 630 ، وتأويل مشكل القرآن ص 443 - 444 .