جلال الدين السيوطي
367
الإتقان في علوم القرآن
واستعمله أيضا في النثر القاضي عياض في مواضع من خطبة الشفا « 1 » . وقال الشرف إسماعيل بن المقرئ اليمنيّ صاحب « مختصر الروضة » في شرح بديعيّته : ما كان منه في الخطب والمواعظ ومدحه صلّى اللّه عليه وسلّم وصحبه ولو في النظم فهو مقبول ، وغيره مردود . وفي شرح بديعية ابن حجّة : الاقتباس ثلاثة أقسام : مقبول . ومباح . ومردود . فالأول : ما كان في الخطب والمواعظ والعهود . والثاني : ما كان في القول والرسائل والقصص . والثالث : على ضربين : أحدهما : ما نسبه اللّه إلى نفسه ، ونعوذ باللّه ممن ينقله إلى نفسه ، كما قيل عن أحد بني مروان أنه وقّع على مطالعة فيها شكاية عمّاله : إنّ إلينا إيابهم ، ثمّ إنّ علينا حسابهم . والآخر تضمين آية في معنى هزل ، ونعوذ باللّه من ذلك ، كقوله : أرخى إلى عشاقه طرفة * ( هيهات هيهات لما توعدون ) وردفه ينطق من خلفه * ( لمثل ذا فليعمل العاملون ) قلت : وهذا التقسيم حسن جدا ، وبه أقول . وذكر الشيخ تاج الدين بن السّبكيّ في طبقاته في ترجمة الإمام أبي منصور عبد القاهر بن الطاهر التميميّ البغداديّ من كبار الشافعية وأجلّائهم ؛ أنّ من شعره قوله : يا من عدى ثم اعتدى ثم اقترت * ثم انتهى ثمّ ارعوى ثم اعترف أبشر بقول اللّه في آياته : * ( إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف ) وقال : استعمال مثل الأستاذ أبي منصور مثل هذا الاقتباس في شعره له فائدة ، فإنه جليل القدر ، والناس ينهون عن هذا ، وربما أدّى بحث بعضهم إلى أنه يجوز . وقيل : إنّ ذلك إنّما يفعله من الشعراء الّذين هم في كلّ واد يهيمون ، ويثبون على الألفاظ وثبة من لا يبالي . وهذا الأستاذ أبو منصور من أئمة الدّين ، وقد فعل هذا وأسند عنه هذين البيتين الأستاذ أبو القاسم بن عساكر . قلت : ليس هذان البيتان من الاقتباس لتصريحه بقول اللّه ، وقد قدّمنا أنّ ذلك خارج عنه . وأما أخوه الشيخ بهاء الدين ، فقال في « عروس الأفراح » : الورع اجتناب ذلك كلّه ، وأن ينزّه عن مثله كلام اللّه ورسوله . قلت : رأيت استعمال الاقتباس لأئمة أجلّاء ، منهم الإمام أبو القاسم الرافعيّ ، قال ، وأنشده في أماليه ، ورواه عنه أئمة كبار :
--> ( 1 ) الشفا 1 / 4 .