جلال الدين السيوطي

323

الإتقان في علوم القرآن

ويحكى : أن الشيخ شمس الدين بن الجزريّ لمّا قدم القاهرة وازدحمت عليه الخلق ، لم يتسع وقته لقراءة الجميع ، فكان يقرأ عليهم الآية ، ثم يعيدونها عليه دفعة واحدة ، فلم يكتف بقراءته . وتجوز القراءة على الشيخ ؛ ولو كان غيره يقرأ عليه في تلك الحالة ، إذا كان بحيث لا يخفى عليه حالهم . وقد كان الشيخ علم الدين السخاويّ يقرأ عليه اثنان وثلاثة في أماكن مختلفة ، ويردّ على كلّ منهم ، وكذا لو كان الشيخ مشتغلا بشغل آخر كنسخ ومطالعة . وأما القراءة من الحفظ : فالظاهر أنها ليست بشرط ، بل يكفي ولو من المصحف . فصل كيفيات القراءة ثلاث « 1 » أحدها : التحقيق : وهو إعطاء كلّ حرف حقّه من إشباع المدّ ، وتحقيق الهمزة ، وإتمام الحركات ، واعتماد الإظهار ، والتشديدات ، وبيان الحروف ، وتفكيكها ، وإخراج بعضها من بعض : بالسكت ، والترتيل ، والتّؤدة ، وملاحظة الجائز من الوقوف : بلا قصر ولا اختلاس ، ولا إسكان محرّك ولا إدغامه ؛ وهو يكون لرياضة الألسن وتقويم الألفاظ . ويستحبّ الأخذ به على المتعلّمين من غير أن يتجاوز فيه إلى حدّ الإفراط بتوليد الحروف من الحركات ، وتكرير الرّاءات ، وتحريك السّواكن ، وتطنين النّونات بالمبالغة في الغنّات ، كما قال حمزة لبعض من سمعه يبالغ في ذلك : أما علمت أنّ ما فوق البياض برص ، وما فوق الجعودة قطط وما فوق القراءة ليس بقراءة ؟ « 2 » . وكذا يحترز من الفصل بين حروف الكلمة ، كمن يقف على التاء من نَسْتَعِينُ وقفة لطيفة ، مدّعيا أنه يرتّل . وهذا النوع من القراءة مذهب حمزة وورش ، وقد أخرج فيه الدانيّ حديثا في كتاب التجويد مسلسلا إلى أبيّ بن كعب : أنه قرأ على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم التحقيق . وقال : إنّه غريب مستقيم الإسناد . الثانية : الحدر « 3 » : بفتح الحاء وسكون الدال المهملتين ؛ وهو إدراج القراءة وسرعتها وتخفيفها بالقصر والتسكين ، والاختلاس والبدل والإدغام الكبير ، وتخفيف الهمزة ، ونحو ذلك ممّا صحت به الرواية ، مع مراعاة إقامة الإعراب وتقويم اللفظ ، وتمكّن الحروف بدون بتر حروف المدّ ، واختلاس أكثر الحركات ، وذهاب صوت الغنّة ، والتفريط إلى غاية لا تصحّ بها

--> ( 1 ) انظر التمهيد في علم التجويد ص 59 . ( 2 ) انظر التمهيد ص 64 . ( 3 ) انظر التمهيد ص 62 .