جلال الدين السيوطي
296
الإتقان في علوم القرآن
وما زلت في وقفة من ذلك حتى رأيت ابن أبي حاتم قال : أخبرنا أحمد بن عثمان بن حكيم ، حدّثنا أحمد بن مفضّل ، حدّثنا أسباط ، عن السديّ في قوله : فَتَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ قال : هذه فصل من آية آدم ، خاصة في آلهة العرب « 1 » . وقال عبد الرزاق : أخبرنا ابن عيينة ، سمعت صدقة بن عبد اللّه بن كثير المكيّ ، يحدّث عن السّديّ قال : هذا من الموصول المفصول « 2 » . وقال ابن أبي حاتم : حدّثنا عليّ بن الحسين ، حدّثنا محمد بن أبي حمّاد ، حدّثنا مهران ، عن سفيان ، عن السّديّ ، عن أبي مالك قال : هذه مفصولة ، إطاعة في الولد فَتَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ هذه لقوم محمد « 3 » . فانحلّت عني هذه العقدة ، وانجلت لي هذه المعضلة ، واتّضح بذلك أنّ آخر قصة آدم وحواء فِيما آتاهُما وأنّ ما بعده تخلّص إلى قصة العرب ، وإشراكهم الأصنام . ويوضّح ذلك تغيير الضمير إلى الجمع بعد التثنية ، ولو كانت القصّة واحدة لقال : ( عمّا يشركان ) كقوله : دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُما . . . فَلَمَّا آتاهُما صالِحاً جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما [ الأعراف : 189 . 190 ] ، وكذلك الضمائر في قوله بعده : أَ يُشْرِكُونَ ما لا يَخْلُقُ شَيْئاً [ الأعراف : 191 ] ، وما بعده إلى آخر الآيات . وحسن التخلّص والاستطراد من أساليب القرآن . ومن ذلك قوله تعالى : وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ [ آل عمران : 7 ] الآية ، فإنه على تقدير الوصل يكون ، ( الراسخون يعلمون تأويله ) وعلى تقدير الفصل بخلافه . وقد أخرج ابن أبي حاتم ، عن أبي الشعثاء ، وأبي نهيك ، قالا : إنكم تصلون هذه الآية وهي مقطوعة « 4 » . ويؤيّد ذلك كون الآية دلت على ذم متّبعي المتشابه ووصفهم بالزيغ . ومن ذلك قوله تعالى : وَإِذا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا [ النساء : 101 ] ؛ فإنّ ظاهر الآية يقتضي أنّ القصر مشروط بالخوف ، وأنّه لا قصر مع الأمن ، وقد قال به لظاهر الآية جماعة منهم عائشة ، لكن بيّن سبب
--> - وانظر رسالتي « النبوة والعصمة » فقد فصلت القول في هذه المسألة . ( 1 ) رواه الطبري في تفسيره 6 / 147 . ( 2 ) رواه عبد الرزاق في تفسيره 2 / 246 ، والطبري 6 / 148 . وعزاه في الدر المنثور 3 / 152 - أيضا - وابن أبي حاتم وابن المنذر وابن الشيخ . ( 3 ) انظر الدر المنثور 3 / 152 مفردا لابن أبي حاتم . ( 4 ) رواه ابن جرير في تفسيره 3 / 183 ، وابن أبي حاتم في تفسيره ، كما في الدر المنثور 2 / 6 .