جلال الدين السيوطي
279
الإتقان في علوم القرآن
وقال النّكزاويّ : باب الوقف عظيم القدر ، جليل الخطر ؛ لأنه لا يتأتّى لأحد معرفة معاني القرآن ولا استنباط الأدلّة الشرعية منه إلّا بمعرفة الفواصل . وفي « النّشر » لابن الجزري « 1 » : لمّا لم يمكن القارئ أن يقرأ السورة أو القصة في نفس واحد ، ولم يجز التنفّس بين كلمتين حالة الوصل ، بل ذلك كالتنفس في أثناء الكلمة ، وجب حينئذ اختيار وقف للتنفّس والاستراحة ، وتعيّن ارتضاء ابتداء بعده ، ويتحتّم ألّا يكون ذلك ممّا يحيل المعنى ولا يخلّ بالفهم ، إذ بذلك يظهر الإعجاز ، ويحصل القصد ؛ ولذلك حضّ الأئمة على تعلّمه ومعرفته . وفي كلام عليّ دليل على وجوب ذلك ، وفي كلام ابن عمر برهان على أنّ تعلّمه إجماع من الصحابة . وصحّ . بل تواتر . عندنا تعلّمه والاعتناء به من السّلف الصالح كأبي جعفر يزيد بن القعقاع أحد أعيان التابعين ، وصاحبه الإمام نافع ، وأبي عمرو ، ويعقوب ، وعاصم ، وغيرهم من الأئمة ؛ وكلامهم في ذلك معروف ، ونصوصهم عليه مشهورة في الكتب . ومن ثمّ اشترط كثير من الخلف على المجيز ألّا يجيز أحدا إلّا بعد معرفته الوقف والابتداء . وصحّ عن الشعبيّ أنّه قال : إذا قرأت : كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ ( 26 ) فلا تسكت حتى تقرأ : وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ ( 27 ) [ الرحمن : 26 . 27 ] « 2 » . قلت : أخرجه ابن أبي حاتم . فصل اصطلح الأئمة على أنّ لأنواع الوقف والابتداء أسماء ، واختلفوا في ذلك : فقال ابن الأنباري « 3 » : الوقف على ثلاثة أوجه : تامّ ، وحسن ، وقبيح : فالتامّ : الذي يحسن الوقف عليه والابتداء بما بعده ، ولا يكون بعده ما يتعلّق به ، كقوله : وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [ البقرة : 5 ] ، وقوله : أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ [ البقرة : 6 ] . والحسن : هو الذي يحسن الوقف عليه ولا يحسن الابتداء بما بعده ، كقوله : الْحَمْدُ لِلَّهِ ؛ لأنّ الابتداء ب رَبِّ الْعالَمِينَ [ الفاتحة : 2 ] لا يحسن ، لكونه صفة لما قبله .
--> ( 1 ) النشر 1 / 224 - 225 . ( 2 ) انظر النشر 1 / 225 ، والدر المنثور 6 / 143 . ( 3 ) انظر البرهان 1 / 350 - 352 .