جلال الدين السيوطي
272
الإتقان في علوم القرآن
وقال أبو حيّان « 1 » : ليس في كتاب ابن مجاهد ومن تبعه من القراءات المشهورة إلّا النّزر اليسير ، فهذا أبو عمرو بن العلاء اشتهر عنه سبعة عشر راويا ثم ساق أسماءهم ، واقتصر في كتاب ابن مجاهد على اليزيديّ ، واشتهر عن اليزيديّ عشرة أنفس ، فكيف يقتصر على السّوسيّ والدّوريّ ، وليس لهما مزية على غيرهما ، لأنّ الجميع يشتركون في الضبط والإتقان والاشتراك في الأخذ . قال : ولا أعرف لهذا سببا إلّا ما قضي من نقص العلم . وقال مكيّ « 2 » : من ظنّ أن قراءة هؤلاء القراء . كنافع وعاصم . هي الأحرف السّبعة الّتي في الحديث فقد غلط غلطا عظيما . قال : ويلزم من هذا أنّ ما خرج عن قراءة هؤلاء السبعة ممّا ثبت عن الأئمة وغيرهم ، ووافق خط المصحف ، ألّا يكون قرآنا ، وهذا غلط عظيم ؛ فإن الذين صنّفوا القراءات من الأئمة المتقدمين . كأبي عبيد القاسم بن سلّام وأبي حاتم السجستاني وأبي جعفر الطبريّ وإسماعيل القاضي . قد ذكروا أضعاف هؤلاء ، وكان الناس على رأس المائتين بالبصرة على قراءة أبي عمرو ويعقوب ، وبالكوفة على قراءة حمزة وعاصم ، وبالشام على قراءة ابن عامر ، وبمكّة على قراءة ابن كثير ، وبالمدينة على قراءة نافع ، واستمرّوا على ذلك ، فلمّا كان على رأس الثلاثمائة أثبت ابن مجاهد اسم الكسائيّ وحذف يعقوب . قال : والسبب في الاقتصار على السبعة . مع أنّ في أئمة القراء من هو أجلّ منهم قدرا أو مثلهم أكثر من عددهم . أنّ الرواة عن الأئمة كانوا كثيرا جدا ، فلمّا تقاصرت الهمم ، اقتصروا ممّا يوافق خط المصحف على ما يسهل حفظه وتنضبط القراءة به ، فنظروا إلى من اشتهر بالثّقة والأمانة وطول العمر في ملازمة القراءة والاتفاق على الأخذ عنه ، فأفردوا من كلّ مصر إماما واحدا ، ولم يتركوا مع ذلك نقل ما كان عليه الأئمة غير هؤلاء من القراءات ولا القراءة به ، كقراءة يعقوب وأبي جعفر وشيبة وغيرهم . قال « 3 » : وقد صنف ابن جبير المكي . قبل ابن مجاهد . كتابا في القراءات ، فاقتصر على خمسة ، اختار من كلّ مصر إماما ؛ وإنما اقتصر على ذلك لأنّ المصاحف الّتي أرسلها عثمان كانت خمسة إلى هذه الأمصار ؛ ويقال : إنّه وجّه بسبعة : هذه الخمسة ، ومصحفا إلى اليمن ، ومصحفا إلى البحرين ، لكن لمّا لم يسمع لهذين المصحفين خبر ، وأراد ابن مجاهد وغيره مراعاة عدد المصاحف ، استبدلوا من غير البحرين واليمن قارئين كمل بهما العدد ، فصادف ذلك موافقة العدد الّذي ورد الخبر به ، فوقع ذلك لمن لم يعرف أصل المسألة ؛ ولم تكن له
--> ( 1 ) نقله في النشر 1 / 41 - 42 . ( 2 ) الإبانة ص 25 - 28 ، وانظر النشر 1 / 36 - 37 . ( 3 ) الإبانة ص 66 - 67 وانظر البرهان 1 / 329 ، والنشر 1 / 37 .