جلال الدين السيوطي

264

الإتقان في علوم القرآن

قيل : وهو الذي يقتضيه صنع الشافعيّ في إثبات البسملة من كلّ سورة « 1 » . وردّ هذا المذهب بأنّ الدليل السابق يقتضي التواتر في الجميع ، ولأنّه لو لم يشترط لجاز سقوط كثير من القرآن المكرّر وثبوت كثير مما ليس بقرآن ، أمّا الأوّل فلأنّا لو لم نشترط التواتر في المحل جاز ألّا يتواتر كثير من المتكرّرات الواقعة في القرآن ، مثل : فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ( 21 ) [ الرحمن : 13 ] . وأما الثاني : فلأنه إذا لم يتواتر بعض القرآن بحسب المحل ، جاز إثبات ذلك البعض في الموضع بنقل الآحاد « 2 » . وقال القاضي أبو بكر في « الانتصار » « 3 » : ذهب قوم من الفقهاء والمتكلّمين إلى إثبات قرآن حكما لا علما بخبر الواحد دون الاستفاضة ، وكره ذلك أهل الحقّ وامتنعوا منه .

--> ( 1 ) المصدر السابق 1 / 125 . قال الزركشي في البحر المحيط 1 / 471 - 472 : « البسملة من أول الفاتحة بلا خلاف عندنا ، وفيما عداها من السور سوى براءة للشافعي ، أقوال : أصحها : أنها آية من كلّ سورة ، ومن أحسن الأدلة فيه ثبوتها في سواد المصحف ، وأجمع الصحابة أن لا يكتب في المصحف ما ليس بقرآن ، وأنّ ما بين الدفتين كلام اللّه . والثاني : بعض آية . والثالث : ليست من القرآن بالكلية ، وعزي للأئمة الثلاثة . والرابع : أنها آية مفردة أنزلت للفصل بين السور ، وهذا غريب لم يحكه أحد من الأصحاب ، لكنه يؤخذ مما حكاه ابن خالويه في « الطارقيات » عن الربيع ، سمعت الشافعي يقول : أول الحمد : بسم اللّه الرحمن الرحيم ، وأول البقرة : ألم . قال العلماء : وله وجه حسن ، وهو أن البسملة لما ثبتت أولا في سورة الفاتحة ، فهي في باقي السور إعادة لها وتكرار ، فلا يكون من تلك السورة ضرورة ، ولا يقال : هي آية من أول كل سورة ، بل هي في أول كل سورة . قال بعض المتأخرين : وهذا القول أحسن الأقوال ، وبه تجتمع الأدلة ، فإنّ إثباتها في المصحف بين السور منتهض في كونها من القرآن ، ولم يقم دليل على كونها آية من أول كلّ سورة . وحكى المتولي من أصحابنا وجها : أنه إن كان الحرف الأخير من السورة قبله ياء ممدودة كالبقرة ، فالبسملة آية كاملة ، وإن لم يكن منها ك اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ فبعض آية . وحكى الماوردي وغيره وجهين في أنها هل هي قرآن على سبيل القطع كسائر القرآن أم على سبيل الحكم ، لاختلاف العلماء فيها . ومعنى سبيل الحكم أنه لا تصح الصلاة إلّا بها في أول الفاتحة ، ولا يكون قارئا لسورة بكمالها غير الفاتحة إلّا إذا ابتدأها بالبسملة سوى براءة ؛ لإجماع المسلمين على أن البسملة ليست بآية فيها . وضعّف الإمام وغيره قول من قال : إنها قرآن على القطع . قال الإمام : هذه غباوة عظيمة من قائله ؛ لأنّ ادعاء العلم حيث لا قاطع محال . وقال الماوردي : قال جمهور أصحابنا : هي آية حكما لا قطعا . . . » ا ه . ( 2 ) انظر البرهان 1 / 125 - 126 . ( 3 ) نقله في البرهان 1 / 126 .