جلال الدين السيوطي
24
الإتقان في علوم القرآن
رسالتيه « تنبيه الغبي إلى تبرئة ابن عربي » و « قمع المعارض في نصرة ابن الفارض » « 1 » . وكان كما يدعي له اعتقاد في علم الباطن كما يقول هنا : « إنه بعد التضلع من علوم الظاهر اشتغل بتحصيل علم الباطن والاستفادة من أهلها بالصحبة والخدمة والسلوك وحسن الاعتقاد والإخلاص والتخلية من الرذائل والتحلية بالفضائل ( طريقة الصوفية ) . وقيل : إنه رجع عن معتقده الصوفي وهاجمه . ومن اعتقاده الذي ألب عليه العلماء في عصره أنه ادعى رؤية الرسول في اليقظة « 2 » والمنام ، وله رسالة في ذلك ، وهي : « إمكان رؤية النبي والملك في اليقظة » وهذا لم يحصل لصحابة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم - بعده ، وهم أفضل الخلق حتى يحصل لمن هو دونهم ، إنما هي تخيلات شيطانية ركبت كثيرا من الزهاد والعلماء في العصور السابقة والحاضرة حتى اعتقدوا بأنهم يرون الرسل والملائكة ، وهذا مسلك الطرق الصوفية في غالبه ، ومن يتتلمذ على أيديهم . نشأته ودراسته : نشأ السيوطي يتيما ، فقد توفي والده وله من العمر خمس سنوات وسبعة أشهر ، وأسندت وصايته إلى جماعة منهم الكمال بن الهمام ، فقرره في وظيفة الشيخونية ، وقد وصل في القراءة إلى سورة التحريم ، ولكن اللّه - عزّ وجلّ - هيأ له من أسباب النجاح في الحياة ما جعله آية في العلم ونابغة من نوابغه ، أغرم به منذ صغره ، فقد حباه اللّه تعالى بمزيد من النبوغ المبكر ، وأنبته نباتا حسنا في وسط علمي عريق « 3 » ، ثم حفظ القرآن وله من العمر ثمان سنوات ، وتأثّر السيوطي بهذه البيئة ، فقد أحضره والده مجلس الحافظ ابن حجر وهو في الثالثة ، وشرع في الاشتغال بالعلم من ابتداء ربيع الأول سنة أربع وستين وثمانمائة ، فقرأ على الشمس السيرامي صحيح مسلم إلّا قليلا منه ، ومنهاج النووي ومنهاج البيضاوي والشفا وألفية ابن مالك فما أتمها إلّا وقد صنف ، وأجازه بالعربية وقرأ عليه من التسهيل ، وسمع عليه الكثير من ابن المصنف والتوضيح وشرح الشذور والمغني في أصول فقه الحنفية ، وشرح العقائد للتفتازاني ، وقرأ على الشمس المرزباني الحنفي الكافية وشروحها للمصنف ، ومقدمة ايساغوجي وشرحها للكافي ، وسمع عليه من المتوسط والشافية وشرحها لجاربردي ومن ألفية العراقي .
--> ( 1 ) مصرع التصوف ، تنبيه الغبي إلى تكفير ابن عربي لبرهان الدين البقاعي . ( 2 ) ذكر الشيخ عبد القادر الشاذلي في كتاب ترجمته أنه كان يقول : رأيت النبي صلّى اللّه عليه وسلّم يقظة فقال لي : يا شيخ الحديث ، فقلت له : يا رسول اللّه ، أمن أهل الجنة أنا ؟ قال : نعم فقلت : من غير عذاب يسبق ؟ فقال : لك ذلك . وقال الشيخ عبد القادر قلت له : كم رأيت النبي صلّى اللّه عليه وسلّم يقظة ؟ فقال : بضعا وسبعين مرة ! ! ! ( 3 ) السيوطي محدثا - عتلم .