جلال الدين السيوطي

165

الإتقان في علوم القرآن

يأخذه من جبريل خمسا خمسا . المسألة الثانية : في كيفية الإنزال والوحي « 1 » : قال الأصفهاني في أوائل تفسيره : اتّفق أهل السنّة والجماعة على أن كلام اللّه منزّل . واختلفوا في معنى الإنزال : فمنهم من قال : إظهار القراءة . ومنهم من قال : إنّ اللّه تعالى ألهم كلامه جبريل وهو في السّماء ، وهو عال من المكان ، وعلّمه قراءته ، ثم جبريل أدّاه في الأرض وهو يهبط في المكان . وفي التنزيل طريقان : أحدهما : أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم انخلع من صورة البشرية إلى صورة الملكيّة ، وأخذه من جبريل . والثاني : أنّ الملك انخلع إلى البشرية حتى يأخذه الرسول منه ، والأوّل أصعب الحالين . انتهى . وقال الطّيبيّ : لعلّ نزول القرآن على النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم أن يتلقّفه الملك من اللّه تعالى تلقّفا روحانيّا ، أو يحفظه من اللّوح المحفوظ ، فينزل به إلى الرّسول ويلقيه عليه . وقال القطب الرازي في حواشي الكشاف : الإنزال لغة بمعنى الإيواء ، وبمعنى تحريك الشيء من علو إلى أسفل ، وكلاهما لا يتحقّق في الكلام ، فهو مستعمل فيه في معنى مجازيّ : فمن قال : القرآن معنى قائم بذات اللّه تعالى ، فإنزاله أن يوجد الكلمات والحروف الدالّة على ذلك المعنى ويثبتها في اللوح المحفوظ . ومن قال : القرآن هو الألفاظ ، فإنزاله مجرّد إثباته في اللوح المحفوظ . وهذا المعنى مناسب لكونه منقولا عن المعنيين اللّغويّين . ويمكن أن يكون المراد بإنزاله إثباته في السماء الدنيا ، بعد الإثبات في اللّوح المحفوظ . وهذا مناسب للمعنى الثاني . والمراد بإنزال الكتب على الرّسل : أن يتلقّفها الملك من اللّه تلقّفا روحانيا ، أو يحفظها من اللوح المحفوظ ، وينزل بها فيلقيها عليهم . انتهى . وقال غيره « 2 » : في المنزل على النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم ثلاثة أقوال : أحدها : أنّه اللفظ والمعنى ، وأن جبريل حفظ القرآن من اللوح المحفوظ ونزل به . وذكر بعضهم أنّ أحرف القرآن في اللوح المحفوظ ، كلّ حرف منها بقدر جبل قاف ، وأنّ تحت كلّ حرف منها معاني لا يحيط بها إلّا اللّه . والثاني : أنّ جبريل إنما نزل بالمعاني خاصّة ، وأنه صلّى اللّه عليه وسلّم علم تلك المعاني وعبّر عنها بلغة

--> ( 1 ) انظر البرهان 1 / 229 . ( 2 ) انظر البرهان 1 / 229 - 230 .