جلال الدين السيوطي

163

الإتقان في علوم القرآن

أنزلت على موسى كانت من سدر الجنّة ، كان طول اللوح اثني عشر ذراعا » « 1 » . وأخرج النسائي وغيره عن ابن عباس . في حديث الفتون « 2 » . قال : أخذ موسى الألواح بعد ما سكت عنه الغضب ، فأمرهم بالّذي أمر اللّه أن يبلغهم من الوظائف ، فثقلت عليهم ، وأبوا أن يقرّوا بها حتى نتق اللّه عليهم الجبل كأنّه ظلّة ، ودنا منهم حتى خافوا أن يقع عليهم ، فأقرّوا بها . وأخرج ابن أبي حاتم ، عن ثابت بن الحجاج قال : جاءتهم التوراة جملة واحدة ، فكبر عليهم ، فأبوا أن يأخذوها حتى ظلّل اللّه عليهم الجبل فأخذوها عند ذلك « 3 » . فهذه آثار صحيحة صريحة في إنزال التوراة جملة . ويؤخذ من الأثر الأخير منها حكمة أخرى لإنزال القرآن مفرّقا ، فإنّه أدعى إلى قبوله إذا نزل على التدريج ، بخلاف ما لو نزل جملة واحدة ، فإنه كان ينفر من قبوله كثير من النّاس ، لكثرة ما فيه من الفرائض والمناهي . ويوضّح ذلك : ما أخرجه البخاريّ ، عن عائشة ، قالت : إنّما نزل أوّل ما نزل منه سورة من المفصّل فيها ذكر الجنة والنّار ، حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام ، ولو نزل أوّل شيء : ( لا تشربوا الخمر ) لقالوا : لا ندع الخمر أبدا ، ولو نزل : ( لا تزنوا ) لقالوا : لا ندع الزّنا أبدا « 4 » . ثم رأيت هذه الحكم مصرّحا بها في « الناسخ والمنسوخ » لمكيّ « 5 » . فرع [ في أنّ القرآن كان ينزل بحسب الحاجة ] الّذي استقرئ من الأحاديث الصحيحة وغيرها : أنّ القرآن كان ينزل بحسب الحاجة : خمس آيات وعشرا وأكثر وأقلّ ؛ وقد صحّ نزول العشر آيات في قصّة الإفك جملة ، وصحّ نزول عشر آيات من أوّل ( المؤمنون ) جملة « 6 » ، وصحّ نزول : غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ [ النساء : 95 ] وحدها ؛ وهي بعض آية ، وكذا قوله : وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً [ التوبة : 28 ] إلى آخر الآية ، نزلت بعد نزول أوّل الآية كما حرّرناه في أسباب النزول « 7 » ، وذلك بعض آية .

--> ( 1 ) انظر الدر المنثور 3 / 120 . ( 2 ) سيأتي تخريجه في آخر الكتاب إن شاء الله . ( 3 ) انظر الدر المنثور 3 / 140 . ( 4 ) رواه البخاري ( 4876 - 4993 ) ، والنسائي في الكبرى ، في كتاب التفسير ( 578 ) 2 / 370 - 371 ، وحديث ( 12 ) فضائل القرآن . والبيهقي في الشعب 2 / 432 . ( 5 ) الناسخ والمنسوخ ص 59 . ( 6 ) سبق تخريجه . ( 7 ) أسباب النزول ص 145 .