جلال الدين السيوطي
159
الإتقان في علوم القرآن
والمعتمد أنّ جبريل كان يعارضه في رمضان بما ينزل به عليه في طول السنة . وقال أبو شامة « 1 » : كأن صاحب هذا القول أراد الجمع بين القولين : الأول والثاني . قلت : هذا الذي حكاه الماورديّ أخرجه ابن أبي حاتم من طريق الضّحاك ، عن ابن عباس ، قال : نزل القرآن جملة واحدة من عند اللّه ، من اللّوح المحفوظ إلى السّفرة الكرام الكاتبين في السّماء الدنيا ، فنجّمته السّفرة على جبريل عشرين ليلة ، ونجّمه جبريل على النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم عشرين سنة . تنبيهات الأول : [ السر في إنزاله جملة إلى السماء ] قيل السر في إنزاله جملة إلى السماء « 2 » : تفخيم أمره وأمر من نزل عليه ، وذلك بإعلام سكان السماوات السبع : أنّ هذا آخر الكتب المنزلة على خاتم الرسل لأشرف الأمم ، قد قرّبناه إليهم لننزله عليهم ، ولولا أنّ الحكمة الإلهية اقتضت وصوله إليهم منجّما بحسب الوقائع لهبط به إلى الأرض جملة ، كسائر الكتب المنزّلة قبله ، ولكن اللّه باين بينه وبينها ، فجعل له الأمرين : إنزاله جملة ، ثم إنزاله مفرّقا ؛ تشريفا للمنزّل عليه . ذكر ذلك أبو شامة في « المرشد الوجيز » « 3 » . وقال الحكيم التّرمذي « 4 » : أنزل القرآن جملة واحدة إلى سماء الدنيا ، تسليما منه للأمّة ما كان أبرز لهم من الحظّ ببعث محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم ، وذلك أنّ بعثة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم كانت رحمة ، فلمّا خرجت الرحمة بفتح الباب جاءت بمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم وبالقرآن ، فوضع القرآن ببيت العزّة في السماء الدنيا ليدخل في حدّ الدنيا ، ووضعت النبوّة في قلب محمد ، وجاء جبريل بالرسالة ثم الوحي ، كأنّه أراد تعالى أن يسلّم هذه الرحمة التي كانت حظّ هذه الأمّة من اللّه إلى الأمة . وقال السّخاوي في « جمال القرّاء » : في نزوله إلى السماء جملة ، تكريم بني آدم وتعظيم شأنهم عند الملائكة ، وتعريفهم عناية اللّه بهم ورحمته لهم ؛ ولهذا المعنى أمر سبعين ألفا من الملائكة أن تشيّع سورة الأنعام ، وزاد سبحانه في هذا المعنى بأن أمر جبريل بإملائه على السّفرة الكرام وإنساخهم إياه وتلاوتهم له . قال : وفيه . أيضا . التّسوية بين نبينا صلّى اللّه عليه وسلّم وبين موسى عليه السّلام في إنزاله كتابه جملة ، والتفضيل لمحمّد في إنزاله عليه منجّما ليحفظه .
--> ( 1 ) المرشد الوجيز ص 19 . ( 2 ) انظر البرهان 1 / 230 ، والمرشد الوجيز ص 24 - 26 . ( 3 ) المرشد الوجيز ص 24 ، وانظر البرهان 1 / 230 . ( 4 ) في تفسيره ، كما في المرشد الوجيز ص 26 .