جلال الدين السيوطي

141

الإتقان في علوم القرآن

تنبيه قد يجعل من ذلك الأحرف التي تقرأ على وجهين فأكثر . ويدلّ له ، ما أخرجه مسلم ، من حديث أبيّ : « إنّ ربّي أرسل إليّ أن أقرأ القرآن على حرف ، فرددت إليه : أن هوّن على أمتي ، فأرسل إليّ أن اقرأه على سبعة أحرف » « 1 » . فهذا الحديث يدل على أن القرآن لم ينزل من أوّل وهلة ، بل مرّة بعد أخرى . وفي جمال القرّاء للسخاويّ ، بعد أن حكى القول بنزول الفاتحة مرتين : إن قيل : فما فائدة نزولها مرة ثانية ؟ قلت : يجوز أن يكون نزلت أوّل مرّة على حرف واحد ، ونزلت في الثانية ببقيّة وجوهها ، نحو ملك ومالك والسّراط والصّراط ، ونحو ذلك . انتهى . تنبيه أنكر بعضهم كون شيء من القرآن يتكرّر نزوله ، كذا رأيته في كتاب « الكفيل بمعاني التنزيل » وعلّله : بأنّ تحصيل ما هو حاصل لا فائدة فيه . وهو مردود بما تقدّم من فوائده . وبأنه يلزم منه أن يكون كلّ ما نزل بمكة نزل بالمدينة مرة أخرى ، فإنّ جبريل كان يعارضه كلّ سنة ، وردّ بمنع الملازمة . وبأنّه لا معنى للإنزال إلّا أنّ جبريل كان ينزل على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بقرآن لم يكن نزل به من قبل ، فيقرئه إياه . وردّ بمنع اشتراط قوله : لم يكن نزل به من قبل . ثم قال : ولعلّهم يعنون بنزولها مرّتين : أنّ جبريل نزل حين حوّلت القبلة ، فأخبر الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم أنّ الفاتحة ركن في الصلاة كما كانت بمكة ، فظن ذلك نزولا لها مرّة أخرى ، أو أقرأه قراءة أخرى لم يقرئها له بمكة ، فظنّ ذلك إنزالا . انتهى .

--> ( 1 ) رواه مسلم ( 820 . 821 ) ، والنسائي 2 / 152 . 154 ، وأحمد 5 / 122 . 127 . 128 ، وأبو داود ( 1478 ) ، وابن حبان ( 737 . 738 . 740 ) ، والطبراني ( 535 ) ، والطيالسي 2 / 7 . 8 . وسيأتي تخريجه ص 173 بأتم من ذلك .