جلال الدين السيوطي
125
الإتقان في علوم القرآن
الْأَتْقَى ليست موصولة ، لأنها لا توصل بأفعل التفضيل إجماعا ، و الْأَتْقَى ليس جمعا ، بل هو مفرد ، والعهد موجود ، خصوصا مع ما يفيده صيغة ( أفعل ) من التمييز وقطع المشاركة ، فبطل القول بالعموم ، وتعيّن القطع بالخصوص والقصر على من نزلت فيه رضي اللّه عنه . المسألة الثالثة : [ شبيه السبب الخاص مع اللفظ العام ] « 1 » تقدّم أنّ صورة السبب قطعية الدخول في العامّ ، وقد تنزل الآيات على الأسباب الخاصة وتوضع مع ما يناسبها من الآي العامّة ، رعاية لنظم القرآن وحسن السّياق ، فيكون ذلك الخاصّ قريبا من صورة السبب في كونه قطعيّ الدخول في العامّ ، كما اختار السبكي أنّه رتبة متوسطة دون السبب وفوق المجرّد ، مثاله قوله تعالى : أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ [ النساء : 51 ] . إلى آخره ، فإنها إشارة إلى كعب بن الأشرف ونحوه من علماء اليهود ، لمّا قدموا مكة وشاهدوا قتلى بدر ، حرّضوا المشركين على الأخذ بثأرهم ومحاربة النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم ، فسألوهم : من أهدى سبيلا ؟ محمد وأصحابه أم نحن ؟ فقالوا : أنتم مع علمهم بما في كتابهم من نعت النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم المنطبق عليه ، وأخذ المواثيق عليهم ألّا يكتموه ، فكان ذلك أمانة لازمة لهم ، ولم يؤدّوها حيث قالوا للكفار : أنتم أهدى سبيلا ، حسدا للنبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم « 2 » . فقد تضمّنت هذه الآية . مع هذا القول . التوعّد عليه المفيد للأمر بمقابله ، المشتمل على أداء الأمانة التي هي بيان صفة النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم ، بإفادة أنّه الموصوف في كتابهم ، وذلك مناسب لقوله : إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها [ النساء : 58 ] . فهذا عامّ في كلّ أمانة ، وذلك خاص بأمانة ، هي صفة النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم بالطريق السابق ، والعامّ تال للخاصّ في الرسم ، متراخ عنه في النزول ، والمناسبة تقتضي دخول ما دلّ عليه الخاصّ في العام ، ولذا قال ابن العربيّ في تفسيره : وجه النظم أنّه أخبر عن كتمان أهل الكتاب صفة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، وقولهم : إنّ المشركين أهدى سبيلا ؛ فكان ذلك خيانة منهم ، فانجرّ الكلام إلى ذكر جميع الأمانات . انتهى . قال بعضهم : ولا يرد تأخّر نزول آية الأمانات التي قبلها بنحو ستّ سنين ؛ لأن الزمان إنما يشترط في سبب النزول لا في المناسبة ؛ لأنّ المقصود منها وضع آية في موضع يناسبها ؛
--> ( 1 ) انظر البرهان 1 / 25 . 26 ، ومناهل العرفان 1 / 128 . 130 . ( 2 ) رواه الواحدي في أسباب النزول ص 157 عن قتادة مرسلا .