الشنقيطي

94

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

الثاني : خلق الإنسان أولا من ماء دافق ، كما في قوله : قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ [ يس : 79 ] . الثالث : مجموع قوله : وَالسَّماءِ ذاتِ الرَّجْعِ ( 11 ) وَالْأَرْضِ ذاتِ الصَّدْعِ [ الطارق : 11 - 12 ] ، أي إنزال المطر ، وإنبات النبات وهو إحياء الأرض بعد موتها . فناسب أن يكون الإقسام على تحقق البعث . وأكد هذا ما جاء بعده من الوعيد بالإمهال رويدا ، وقد سمي يوم القيامة بيوم الفصل ، كما في قوله : لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ ( 12 ) لِيَوْمِ الْفَصْلِ ( 13 ) وَما أَدْراكَ ما يَوْمُ الْفَصْلِ ( 14 ) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ [ المرسلات : 12 - 15 ] . وذكر الويل في هذه الآية للمكذبين يعادل الإمهال في هذه السورة للكافرين ، وإذا ربطنا بين القسم والمقسم عليه ، لكان أظهر وأوضح ، لأن رجع الماء بعد فنائه بتلقيح السحاب من جديد يعادل رجع الإنسان بعد فنائه في الأرض ، وتشقق الأرض عن النبات يناسب تشققها يوم البعث عن الخلائق ، واللّه تعالى أعلم . قوله تعالى : إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً ( 15 ) وَأَكِيدُ كَيْداً ( 16 ) [ 15 - 16 ] . نسبة هذا الفعل له تعالى قالوا إنه : من باب المقابلة كقوله : وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ [ آل عمران : 54 ] ، وقوله : إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ ( 14 ) اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ [ البقرة : 14 - 15 ] ، وهو في اللغة ، كقول القائل ، لما سئل عن أي الطعام يريد ، وهو عار يريد كسوة . قالوا اختر طعاما نجد لك طبخة * قلت اطبخوا لي جبة وقميصا وقد اتفق السلف ، أنه لا ينسب إلى اللّه تعالى على سبيل الإطلاق ، ولا يجوز أن يشتق له منه اسم ، وإنما يطلق في مقابل فعل العباد ، لأنه في غير المقابلة لا يليق باللّه تعالى ، وفي معرض المقابلة فهو في غاية العلم والحكمة والقدرة ، والكيد أصله المعاجلة للشيء بقوة . وقال ابن فارس في معجم مقاييس اللغة : والعرب قد تطلق الكيد على المكر ، والعرب قد يسمون المكر كيدا ، قال اللّه تعالى : أَمْ يُرِيدُونَ كَيْداً [ الطور : 42 ] ، وعليه فالكيد هنا لم يبين ، فإذا كان بمعنى المكر ، فقد تقدم للشيخ رحمة اللّه تعالى