الشنقيطي
86
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
ولكن الذي يظهر واللّه تعالى أعلم هو الأول ، لأنه يكثر في القرآن كقوله تعالى : إِنَّهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ [ يونس : 4 ] . وقوله : قُلِ اللَّهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ [ يونس : 34 ] . وجعله آية على قدرته ودليلا على عجز ونقص الشركاء ، في قوله في أول هذه الآية : قُلِ اللَّهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ [ يونس : 34 ] ورد عليهم بقوله : قُلِ اللَّهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ [ يونس : 34 ] ، وقوله : كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنا إِنَّا كُنَّا فاعِلِينَ [ الأنبياء : 104 ] . قوله تعالى : هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ ( 17 ) فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ ( 18 ) [ 17 - 18 ] . بعد عرض قصة أصحاب الأخدود تسلية للؤمنين وتثبيتا لهم ، وزجرا للمشركين وردعا لهم ، جاء بأخبار لبعض من سبق من الأمم وفرعون وثمود بدل من الجنود ، وهم جمع جند ، وهم الكثرة وأصحاب القوة ، وحديثه ما قص اللّه من خبره مع موسى وبني إسرائيل . وفي اختيار فرعون هنا بعد أصحاب الأخدود لما بينهما من المشاكلة والمشابهة ، إذ فرعون طغى وادّعى الربوبية ، كملك أصحاب الأخدود الذي قال لجليسه : ألك رب غيري ؟ ولتعذيبه بني إسرائيل بتقتيل الأولاد واستحياء النساء ، وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم ، ولتقديم الآيات والبراهين على صدق الداعية ، إذ موسى عليه السلام قدّم لفرعون من آيات ربه الكبرى فكذّب وعصى ، والغلام قدم لهذا الملك الآيات الكبرى : إبراء الأكمه والأبرص بإذن اللّه ، وعجز فرعون عن موسى وإدراكه ، وعجز الملك عن قتل الغلام إذ نجاه اللّه من الإغراق والدهدهة من قمة الجبل ، فكان لهذا أن يرعوي عن ذلك ويتفطن للحقيقة ، ولكن سلطانه أعماه كما أعمى فرعون . وكذلك آمن السحرة لما رأوا آية موسى وخروا للّه سجدا . وهكذا هنا آمن الناس برب الغلام ، فوقع الملك فيما وقع فيه فرعون . إذ جمع فرعون السحرة ليشهد الناس عجز موسى وقدرته ، فانقلب الموقف عليه ، وكان أول الناس إيمانا هم أعوان فرعون على موسى ، وهكذا هنا كان أسرع الناس إيمانا الذي جمعهم الملك ليشهدوا قتله للغلام .