الشنقيطي

43

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

حتى لو كان أحد نواه بسوء ، وقد رآه في مكانه الأول يصادف ولده ، ويسلم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . وقوله : وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولى ( 4 ) [ الضحى : 4 ] ، أي من كل ما طلعت عليه الشمس وسجاه الليل . ومنه أيضا : وهو أشد ظهورا في سورة العصر قال تعالى : وَالْعَصْرِ ( 1 ) إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ ( 2 ) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا [ العصر : 1 - 3 ] ، إلى آخر السورة . فإن المقسم عليه هو حالة الإنسان ، الغالية عليه من خسر ، إلّا من استثنى اللّه تعالى ، فكان المقسم به ، والعصر المعاصر للإنسان : طيلة حياته وهو محل عمله ، الذي به يخسر ويربح . وهو معاصر له وأصدق شاهد عليه . وكنت قد سمعت من الشيخ رحمة اللّه تعالى علينا وعليه يقول : إن العمر وزمن الحياة حجة على الإنسان كالرسالة والنذارة سواء ، وذكر قوله تعالى : أَ وَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ ما يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجاءَكُمُ النَّذِيرُ [ فاطر : 37 ] ، فجعل في الآية التعمير ، وهو إشغال العمر موجبا للتذكر والتأمل ، ومهلة للعمل ، كما تخبر إنسانا بأمر ثم تمهله إلى أن يفعل ما مر به ، فهو أمكن في الحجة عليه . فكان القسم في العصر على الربح والخسران ، أنسب ما يكون بينهما ، إذ جعلت حياة الإنسان كسوق قائمة والسلعة فيه العمل والعامل هو الإنسان . كما قال تعالى : هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ ( 10 ) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ [ الصف : 10 - 11 ] . وفي الحديث الصحيح عند مسلم : « سبحان اللّه تملأ الميزان ، وفيه كل الناس يغدو ، فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها » ، فإن كان يشغل عمره في الخير فقد ربح ، وأعتق نفسه وإلّا فقد خسر وأهلكها » . ويشير لذلك أيضا قوله تعالى : * إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ [ التوبة : 111 ] . فصح أن الدنيا سوق ، والسلعة فيها عمل الإنسان ، والمعاملة فيه مع اللّه تعالى ، فظهر الربط والمناسبة مع المقسم به ، والمقسم عليه . قوله تعالى : إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ( 19 ) [ 19 ] .