الشنقيطي
4
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
والواقع أنها كلها متلازمة ، لأن من كذب بواحد منها كذب بها كلها ، ومن صدق بواحد منها صدق بها كلها ، ومن اختلف في واحد منها لا شك أنه يختلف فيها كلها . ولكن السياق في النبأ وهو مفرد . فما المراد به هنا بالذات ؟ قال ابن كثير والقرطبي : من قال إنه القرآن : قال بدليل قوله : قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ ( 67 ) أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ [ ص : 67 - 68 ] . ومن قال : إنه البعث قال بدليل الآتي بعدها : إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كانَ مِيقاتاً ( 17 ) [ النبأ : 17 ] . والذي يظهر واللّه تعالى أعلم : أن أظهرها دليلا هو يوم القيامة والبعث ، لأنه جاء بعده بدلائل وبراهين البعث كلها ، وعقبها بالنص على يوم الفصل صراحة ، أما براهين البعث فهي معلومة أربعة : خلق الأرض والسماوات ، وإحياء الأرض بالنبات ، ونشأة الإنسان من العدم ، وإحياء الموتى بالفعل في الدنيا لمعاينتها وكلها موجودة هنا . أما خلق الأرض والسماوات ، فنبه عليه بقوله : أَ لَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهاداً ( 16 ) وَالْجِبالَ أَوْتاداً [ النبأ : 6 - 7 ] ، وقوله : وَبَنَيْنا فَوْقَكُمْ سَبْعاً شِداداً ( 12 ) وَجَعَلْنا سِراجاً وَهَّاجاً [ النبأ : 12 - 13 ] فكلها آيات كونية دالة على قدرته تعالى كما قال : لَخَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ [ غافر : 57 ] . وأما إحياء الأرض بالنبات ففي قوله تعالى : وَأَنْزَلْنا مِنَ الْمُعْصِراتِ ماءً ثَجَّاجاً ( 14 ) لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَباتاً ( 15 ) وَجَنَّاتٍ أَلْفافاً [ النبأ : 14 - 16 ] كما قال تعالى : ومن آياته أنك ترى الأرض خشعة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت إن الذي أحياها لمحى الموتى [ فصلت : 39 ] . وأما نشأة الإنسان من العدم ، ففي قوله تعالى : وَخَلَقْناكُمْ أَزْواجاً ( 8 ) [ النبأ : 8 ] أي أصنافا ، كما قال تعالى : قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ [ يس : 79 ] . وأما إحياء الموتى في الدنيا بالفعل ، ففي قوله تعالى : وَجَعَلْنا نَوْمَكُمْ سُباتاً [ النبأ : 9 ] والسبات : الانقطاع عن الحركة . وقيل : هو الموت ، فهو ميتة صغرى ،