الشنقيطي
366
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
ولا يزال يجلب على الإنسان بخيله ورجله بارا بقسمه بين يدي اللّه بعزته ليغوينهم أجمعين . وإن أخطر أبواب الفساد في المجتمعات لهي عن المال أو الدم أو العرض ، كما في الحديث في حجة الوداع : « ألا إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا » « 1 » إلى آخره . وهل وجدت جناية على واحد منها ، إلا من تأثير الوسواس الخناس . اللّهم لا . وهكذا في الآخرة . وقد بين تعالى الموقف جليا في مقالة الشيطان البليغة الصريحة : وَقالَ الشَّيْطانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ ما أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَما أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِما أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ [ إبراهيم : 22 ] الآية . ولقد علم عدو المسلمين أن أخطر سلاح على الإنسان ، هو الشك ولا طريق إليه إلا بالوسوسة ، فأخذ عن إبليس مهمته وراح يوسوس للمسلمين في دينهم وفي دنياهم ، ويشككهم في قدرتهم على الحياة الكريمة مستقلين عنه ، ويشككهم في قدرتهم على التقدم والاستقلال الحقيقي ، بل وفي استطاعتهم على الإبداع والاختراع ، ليظلوا في فلكه ودائرة نفوذه ، فيبقى المسلمون يدورن في حلقة مفرغة ، يقدمون رجلا ويؤخرون أخرى . والمتشكك في نتيجة عمل لا يقدم عليه أبدا ، بل ما يبنيه اليوم يهدمه غدا ، وقد أعلن عن هذه النتيجة الخطيرة رئيس مؤتمر المستشرقين في الشرق الأوسط ، منذ أكثر من ثلاثين عاما ، حينما انعقد المؤتمر في [ بيروت ] لعرض نتائج أعمالهم ودراسة أساليب تبشيرهم . فتشكى المؤتمرون من أن لهم زهاء أربعين سنة من عملهم المتواصل ، لم يستطيعوا أن ينصّروا مسلما ، واحدا ، فقال رئيس المؤتمر : إذا لم نستطع أن ننصّر مسلما ، ولكن استطعنا أن نوجد ذبذبة في الرأي ، فقد نجحنا في عملنا .
--> ( 1 ) سبق تخريجه في الجزء الأول .