الشنقيطي
360
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
باللام ، ففي سورة الأعراف فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطانُ [ الأعراف : 20 ] ، وفي طه : فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطانُ [ طه : 120 ] . وحاصل ما ذكره في الجمع بينهما أحد أمرين : إما أن حروف الجر ينوب بعضها عن بعض ، وذكر شواهده ، وإما أن يكون وسوس ، أي لأجله ووسوس إليه أي أنهى إليه الوسوسة ، ولكن هنا قال : فِي صُدُورِ النَّاسِ ، ولم يقل : إلى صدور الناس ، فهل هو من باب نيابة حروف الجر بعضها عن بعض أيضا ؟ أم هي ظرف محض ؟ والظاهر أنها ظرف ، ولكن هل من الظرف للوسواس ، أو ظرف للوسوسة نفسها ؟ وبالنظر إلى كلام المفسرين ، فإن كلام ابن جرير يحتمل اعتبار المعنيين بدون تعيين . وأما القرطبي ، والألوسي ، فصرحا بما ظهر لهما ووصلا إليه . فقال القرطبي ، قال مقاتل : إن الشيطان في صورة خنزير يجري من مجرى الدم في العروق سلطه اللّه على ذلك وذكر الحديث « إن الشيطان ليجري من ابن آدم مجرى الدم فضيقوا مجاريه » « 1 » . وقال : إن أبا ثعلبة الخشني قال : سألت ربي أن يريني الشيطان ، ومكانه من ابن آدم ، فرأيته يداه في يديه ورجلاه في رجليه ومشاعيه في جسده ، غير أن له خطما كخطم الكلب ؟ فإذا ذكر اللّه خنس ، وإذا سكت عن ذكر اللّه أخذ بقلبه « 2 » . أما الألوسي فقد صرح بالتقسيم الذي أوردناه ، فقال : الذي يوسوس في صدور الناس . قيل : أريد قلوبهم مجازا . وقال بعضهم : إن الشيطان يدخل الصدر الذي هو بمنزلة الدهليز ، فيلقي منه ما يريد إلقاءه إلى القلب ويوصله إليه ، ولا مانع عقلا من دخوله في جوف إنسان .
--> ( 1 ) سبق تخريجه في الجزء الأول . ( 2 ) ذكره القرطبي في الجامع لأحكام القرآن 20 / 263 .