الشنقيطي

316

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

وقال : إنها أغلبية وليست قطعية . قلنا : يكفي في ذلك حكم الأغلب ، وهو ما يصدقه الواقع ، إذ آمن بعضهم وعبد معبوده صلى اللّه عليه وسلم ، وما في قوله : ما تَعْبُدُونَ ( 2 ) وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ ، واقعة في الأولى على غير ذي علم ، وهي أصنامهم وهو استعمالها الأساسي . وفي الثانية : في حق اللّه تعالى وهو استعمالها في غير استعمالها الأساسي ، فقيل : من أجل المقابلة ، وقد استعملت فيمن يعلم ، كقوله تعالى : فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ [ النساء : 3 ] ، لأنهن في معرض الاستمتاع بهن ، فللقرينة جاز ذلك . وقيل : إنها مع ما قبلها مصدرية ، أي ما مصدرية بمعنى عبادتكم الباطلة ، ولا تعبدون عباداتي الصحيحة . وهذا المعنى قوي ، وإن تعارض مع ما ذكر من سبب النزول ، إلا أن له شاهدا من نفس السورة ويتضمن المعنى الأول ، ودليله من السورة قوله تعالى في آخر السورة : لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ [ الكافرون : 6 ] ، فأحالهم على عبادتهم ، ولم يحلهم على معبودهم . قوله تعالى : لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ [ 6 ] . هو نظير ما تقدم في سورة يونس أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ [ يونس : 41 ] . وكقوله : وَلَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ . وليس في هذا تقريرهم على دينهم الذي هم عليه ، ولكن من قبيل التهديد والوعيد كقوله : وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنا لِلظَّالِمِينَ ناراً أَحاطَ بِهِمْ سُرادِقُها [ الكهف : 29 ] . وفي هذه السورة قوله : قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ [ الكافرون : 1 ] وصف يكفي بأن عبادتهم وديانتهم كفر . وقد قال لهم الحق لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ [ الكافرون : 2 ] لأنها عبادة باطلة . عبادة الكفار ، وبعد ذلك إن أبيتم إلا هي ، فلكم دينكم ولي دين .