الشنقيطي
293
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
والثاني : يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ [ البقرة : 21 ] . ثم بين الموجب بقوله : الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [ البقرة : 21 ] . ثم عدد عليهم نعمه بقوله : الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً وَالسَّماءَ بِناءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ [ البقرة : 22 ] . فهذه النعم تعادل الإطعام من جوع ، والأمن من خوف ، في حق قريش ، ومن ذلك قوله تعالى : إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ [ الكوثر : 1 - 2 ] . وقد بين تعالى أن الشكر يزيد النعم والكفر يذهبها ، إلا ما كان استدراجا ، فقال في شكر النعمة : لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ [ إبراهيم : 7 ] . وقال في الكفران وعواقبه : وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيها رِزْقُها رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ [ النحل : 112 ] . وبهذه المناسبة إن على كل مسلم أفرادا وجماعات ، أن يقابلوا نعم اللّه بالشكر ، وأن يشكروها بالطاعة والعبادة للّه ، وأن يحذروا كفران النعم . تنبيه آخر في الجمع بين إطعامهم من جوع وآمنهم من خوف ، نعمة عظمى لأن الإنسان لا ينعم ولا يسعد إلا بتحصيل النعمتين هاتين معا ، إذ لا عيش مع الجوع ، ولا أمن مع الخوف ، وتكمل النعمة باجتماعهما . ولذا جاء الحديث « من أصبح معافى بدنه آمنا في سربه عنده قوت يومه ، فقد اجتمعت عنده الدنيا بحذافيرها » « 1 » . تنبيه آخر إن في هذه السورة دليلا على أن دعوة الأنبياء مستجابة ، لأن الخليل عليه وعلى
--> ( 1 ) أخرجه : الترمذي في الزهد حديث 2346 ، وابن ماجة في الزهد حديث 4141 .