الشنقيطي

286

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

وقد أخبرنا أن تلك الجبال سيأتي يوم تكون فيه كالعهن المنفوش أخف من التبنة ، التي مثلوا بها ، بل ستكون أقل من ذلك ، كما قال تعالى : وَسُيِّرَتِ الْجِبالُ فَكانَتْ سَراباً [ النبأ : 20 ] ، فظهر بطلان هذا القول الذي استبعدها لعدم إدراك العقل لها . أما من يؤول هذا المعنى إلى معنى آخر ، فهو قريب من الأول من حيث المبدأ ، إلا أنه أثبت الأصل وفسره بما يتناسب والعقل . وهو محكي عن الإمام محمد عبده وتلميذه السيد رشيد رضا ، إذ فسر الحجارة من سجيل ، بأنه وباء الجدريّ . وبالتالي : فالطير الأبابيل : هي البعوض وما أشبهه . وقد اعتذر له السيد قطب : بأن الدافع لذلك هو ما كان شائعا في عصره من موجات متضاربة ، موجة انحراف في التفكير نحو الإسلام واستغلال الإسرائيليات ، كمثال على ما يشبه الأباطيل في تشويه حقائق الإسلام عند غير المسلمين . ومن ناحية أخرى طوفان علمي حديث ، من إنتاج العقل البشري فبدلا من أن تثبت حادثة كهذه صرفت إلى ما يألفه العقل من إيقاع ميكروب الجدري بجيش أبرهة حتى أهلكه ، لكي لا يتصادم في إثبات الحادثة على ما نص عليه القرآن بواقع العقلية العلمانية الحديثة . هذا ملخص ما اعتذر به السيد قطب عن هذا القول . ولكن من الناحية العلمية والنصوص القرآنية ، فقد تقدم : أن الحجارة التي من سجيل ، جاء النص على أنها ليست خاصة بهؤلاء القوم ، بل ألقيت على قوم لوط ، بعد أن جعل عاليها سافلها ، فما موقع الجدريّ منهم بعد إهلاكهم بإفكها المذكورة ؟ ثم جاء أيضا : أنها من طين ، فأين الطين من الجراثيم الجدرية ؟ ومن الناحية العلمية : من أين جيء بمكروب الجدريّ ؟ وأين كان قبل أن تأتي به الطير الأبابيل ؟ ومتى كان ميكروب الجدريّ أو غيره يميز بين قرشي وحبشي ؟ ومتى كان أي ميكروب يفتك بقوم وبسرعة ، يجعلهم كعصف مأكول ، مع أن :