الشنقيطي

28

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

معناه أنه عاقبه لعدم رفقه به . ومراعاة حالة عماه . فعليه ، يكون ذكره بهذا الوصف من باب التعريض بغيره من أولئك الصناديد وسادة القوم ، وكأنه يقول لهم : فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ [ الحج : 46 ] ، فهذا كفيف البصر ، ولكن وقاد البصيرة أبصر الحق وآمن ، وجاء مع عماه يسعى طلبا للمزيد ، وأنتم تغلقت قلوبكم وعميت بصائركم فلم تدركوا الحقيقة ولم تبصروا نور الإيمان ، كما في الآية الكريمة : فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ ( 46 ) والعلم عند اللّه تعالى . تنبيه مما اتفق عليه المحدثون : جواز ذكر مثل هذه الأوصاف إذا كانت للتعريف لا للتنقيص ، فقالوا : الأعمى والأعور والأعرج . وفي الحرف قالوا : الخراز ، والخرقي ، ونحو ذلك ، وهذا ما فيه مصلحة لترجمة الرجال في السند . ومثله : ليس تنابزا بالألقاب في هذا الفن . واللّه تعالى أعلم . ومثله : إذا كان للتعريف في غرض سليم دون تنقص كما قدمنا . وقوله تعالى : عَبَسَ وَتَوَلَّى ، فإن فيه مثل ما في قوله تعالى : أَنْ جاءَهُ الْأَعْمى لأن العبوسة أمر لا يتفق في الظاهر مع قوله تعالى في حقه صلى اللّه عليه وسلم ، وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ [ القلم : 4 ] وقوله : وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ [ الحجر : 88 ] . ولم أقف على جواب لذلك ، ولم يتعرض له الشيخ رحمة اللّه تعالى علينا وعليه في دفع إيهام الاضطراب . والذي يظهر واللّه تعالى أعلم ، أنه لا يتأتى معه ، لأنه صلى اللّه عليه وسلم لم يتكلم بما يسيء إلى هذا الصحابي في نفسه بشيء يسمعه فيزعجه ، كل ما كان منه صلى اللّه عليه وسلم إنما هو تقطيب الجبين ، وهذه حركة مرئية لا مسموعة . والحال : أن هذا أعمى لا يرى تلك الحركة ، فكأنه لم يلق إساءة منه صلى اللّه عليه وسلم . ثم إنه صلى اللّه عليه وسلم مطمئن له لما هو عليه من خير في دينه . كما قال في حنين : وأكل أقواما إلى ما في قلوبهم ، أي لما أعطى المؤلفة قلوبهم ، ولم يعط الأنصار ما هو معروف في القصة ، فلم يعاتبه اللّه على ذلك . ورضي الأنصار وبكوا فرحا ورضا .