الشنقيطي
224
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
الْكِتابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ ، أي لم يكونوا متروكين باختيار أنفسهم يفعلون ما يهوونه لا حجر عليهم ، كما أن المنفك لا حجر عليه ، وهو لم يقل مفكوكين ، بل قال : منفكين ، وهذا أحسن ، إلى أن قال : والمقصود أنهم لم يكونوا متروكين لا يؤمرون ولا ينهون ولا ترسل إليهم رسل . والمعنى : أن اللّه لا يخليهم ولا يتركهم ، فهو لا يفكهم حتى يبعث إليهم رسولا ، وهذا كقوله : أَ يَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً [ القيامة : 36 ] ، لا يؤمر ، ولا ينهى ، أي : أيظن أن هذا يكون ؟ هذا ما لا يكون البتة ، بل لا بد أن يؤمر وينهى . وقريب من ذلك قوله تعالى : إِنَّا جَعَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ( 3 ) وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ ( 4 ) أَ فَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحاً أَنْ كُنْتُمْ قَوْماً مُسْرِفِينَ [ الزخرف : 3 - 5 ] . وهذا استفهام إنكار أي لأجل إسرافكم نترك إنزال الذكر ، ونعرض عن إرسال الرسل . تبين من ذلك كله أن الأصح في « منفكين » معنى « متروكين » وبه يزول الإشكال الذي أورده الفخر الرازي ، ويستقيم السياق ، ويتضح المعنى ، وباللّه تعالى التوفيق . قوله تعالى : حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ ( 1 ) رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُوا صُحُفاً مُطَهَّرَةً ( 2 ) [ 1 - 2 ] . أجمل البينة ثم فصلها فيما بعدها رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُوا صُحُفاً . وفي هذا قيل : إن البينة هي نفس الرسول في شخصه ، لما كانوا يعرفونه قبل مجيئه ، كما في قوله : وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ [ الصف : 6 ] ، وقوله : يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ [ البقرة : 146 ] . فكأن وجوده صلى اللّه عليه وسلم بذاته بينة لهم . ولذا جاء في الآثار الصحيحة أنهم عرفوا يوم مولده بظهور نجم نبي الختان إلى آخر أخباره صلى اللّه عليه وسلم ، وكانوا يستفتحون به على الذين كفروا ، وكذلك المشركون كانوا يعرفونه عن طريق أهل الكتاب ، وبما كان متصفا به صلى اللّه عليه وسلم ، ومن جميل الصفات كما قالت له خديجة عند بدء الوحي له وفزعه منه : « كلا واللّه لن يخزيك اللّه ، واللّه