الشنقيطي
205
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
قال السيوطي : قلت يؤيد ما قاله من التوقيف ، ما أخرجه ابن شقة من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : « أول كتاب أنزله اللّه من السماء أبا جاد » . وأخرج الإمام أحمد في مسنده عن أبي ذر ، أن النّبي صلى اللّه عليه وسلم قال : « أول من خط بالقلم إدريس عليه السلام » . ا ه . وقد أطال النقول في ذلك مما يرجع إلى الأول ، وليس فيه نقل صحيح يقطع به . وقد أوردنا هذه النبذة بخصوص كلام ابن فارس ، من أن تعليم الكتابة أمر توقيفي ، وما استدل به السيوطي من أول كتاب أنزله اللّه من السماء ، فإن في القرآن ما يشهد لإمكان ذلك ، وهو أن اللّه تعالى أنزل الصحف لموسى مكتوبة . وفي الحديث « إن اللّه كتب الألواح لموسى بيده ، وغرس جنة عدن بيده » . وإذا كان موسى تلقى ألواحا مكتوبة ، فلا بد أن تكون الكتابة معلومة له قبل إنزالها ، وإلّا لما عرفها . أما المشهور في الأحرف التي نكتب بها الآن ، فكما قال السيوطي في المزهر ، ونقله عنه صاحب المطالع المصرية ما نصه : المشهور عند أهل العلم ما رواه ابن الكلبي عن عوانة ، قال : أول من كتب بخطنا هذا . وهو الجزم مرامر بن مرة ، وأسلم بن سدرة ، وعامر بن حدرة . كما في القاموس . وهم من عرب طيء تعلموه من كتاب الوحي لسيدنا هود عليه السلام ، ثم علّموه أهل الأنبار ، ومنهم انتشرت الكتابة في العراق والحيرة وغيرها ، فتعلمها بشر بن عبد الملك أخو أكيدر بن عبد الملك صاحب دومة الجندل ، وكانت له صحبة بحرب بن أمية فتعلم حرب منه ، ثم سافر معه بشر إلى مكة فتزوج الصهباء بنت حرب أخت أبي سفيان . فتعلم منه جماعة من أهل مكة . فبهذا كثر من يكتب بمكة من قريش قبيل الإسلام . ولذا قال رجل كندي من أهل دومة الجندل ، يمن على قريش بذلك : لا تجحدوا نعماء بشر عليكم * فقد كان ميمون النقيبة أزهرا أتاكم بخط الجزم حتى حفظتموا * من المال ما قد كان شتى مبعثرا وأتقنتموا ما كان بالمال مهملا * وطأمنتموا ما كان منه مبقرا