الشنقيطي
186
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
وأمارات الإنكار على المخاطبين ، إنما هي عدم إيمانهم بالبعث ، لأن العاقل لو تأمل خلق الإنسان ، لعرف منه أن القادر على خلقه في هذه الصورة ، قادر على بعثه . وهذه المسألة أفردها الشيخ في سورة الجاثية بتنبيه على قوله تعالى : وَفِي خَلْقِكُمْ وَما يَبُثُّ مِنْ دابَّةٍ آياتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ [ الجاثية : 4 ] ، وتكرر هذا البحث في عدة مواضع ، وأصرح دلالة على هذا المعنى ما جاء في آخر يس ، وَضَرَبَ لَنا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ ( 78 ) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ [ يس : 78 - 79 ] . قوله تعالى : ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ ( 5 ) [ 5 ] . قيل : رد إلى الكبر والهرم وضعف الجسم والعقل . إن الثمانين وبلغتها * قد أحوجت سمعي إلى ترجمان كما في قوله تعالى : وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ [ يس : 68 ] . وذكر الشيخ رحمة اللّه تعالى علينا وعليه هذا القول ، وساق معه قوله : * اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَةً [ الروم : 54 ] ، وساق آية التين هذه ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ [ التين : 5 ] ، وقال : على أحد التفسيرين ، وقوله : وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً [ الحج : 5 ] ، وهذا المعنى مروي عن ابن عباس رواه ابن جرير « 1 » . وقيل : رد إلى النار بسبب كفره ، وهذا مروي عن مجاهد والحسن . وقد رجح ابن جرير المعنى الأول ، وهو كما ترى ، ما يشهد له القرآن في النصوص التي قدمنا ، واستدل لهذا الوجه من نفس السورة . وذلك لأن اللّه تعالى قال في آخرها فَما يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ [ التين : 7 ] ، أي بعد هذه الحجج الواضحة ، وهي بدء خلق الإنسان وتطوره إلى أحسن أمره ، ثم رده إلى أحط درجات العجز أسفل سافلين ، وهذا هو المشاهد لهم ، يحتج به عليهم .
--> ( 1 ) جامع البيان 30 / 156 .