الشنقيطي
18
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
من الامتناع ، ومنه النكول عن اليمين ، والنكل القيد . قاله القرطبي . واختلف في الآخرة والأولى : أهم الدنيا والآخرة ؟ أم هم الكلمتان العظيمتان اللتان تكلم بهما فرعون في قوله : ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي [ القصص : 38 ] . والثانية قوله : أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى [ النازعات : 24 ] . قال ابن عباس : وكان بينهما أربعون سنة . وقد اختار ابن كثير الأول ، واختار ابن جرير الثاني ، ومعه كثير من المفسرين . ولكن يرد على اختيار ابن كثير : أن السياق قدم الآخرة ، مع أن تعذيب فرعون مقدم فيه نكال الأولى ، وهي الدنيا . كما يرد على اختيار ابن جرير ، أن اللّه تعالى جعل أخذه إياه نكالا ، ليعتبر به من يخشى ، والعبرة تكون أشد بالمحسوس ، وكلمتاه قيلتا في زمنه . والقرآن يشهد لما قاله ابن كثير ، في قوله تعالى : فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً [ يونس : 92 ] ، وهذا هو محل الاعتبار . وقد قال تعالى بعد الآية : إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشى ( 26 ) [ النازعات : 26 ] . واسم الإشارة في قوله : إن في ذلك : راجع إلى الأخذ والنكال المذكورين ، أي المصدر المفهوم ضمنا في قوله تعالى : فَأَخَذَهُ اللَّهُ وقوله : نكال ، بل إن نكال مصدر بنفسه ، أي فأخذه اللّه ونكل به ، وجعل نكاله به عبرة لمن يخشى . قوله تعالى : أَ أَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّماءُ بَناها ( 27 ) [ 27 ] . لما كان فرعون على تلك المثابة من الطّغيان والكفر ، وكان من أسباب طغيانه الملك والقوّة ، كما في قوله تعالى : وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتادِ [ الفجر : 10 ] ، وقوله : إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الْأَرْضِ [ القصص : 4 ] ، وقوله عنه : أَ لَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهذِهِ الْأَنْهارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي [ الزخرف : 51 ] . وهذه كلها مظاهر طغيانه وعوامل قوته ، خاطبهم اللّه بما آل إليه هذا الطغيان ، ثم خاطبهم في أنفسهم محذرا من طغيان القوة أَ أَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّماءُ ، حتى لو ادعيتم أنكم أشد قوة من فرعون ، الذي أخذه اللّه نكال الآخرة والأولى ، فهل أنتم أشد خلقا أم السماء ؟