الشنقيطي

177

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

في داود عليه السلام حول هذا المعنى ، كله إسرائيليات لا تليق بمقام النبوة . ا ه . أما في خصوصه صلى اللّه عليه وسلم ، فإنا نورد الآتي : إنه مهما يكن من شيء ، فإن عصمته صلى اللّه عليه وسلم من الكبائر والصغائر بعد البعثة القطع بها ، لنص القرآن الكريم في قوله تعالى : لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ [ الأحزاب : 21 ] لوجوب التأسي به وامتناع أن يكون فيه شيء من ذلك قطعا . أما قبل البعثة ، فالعصمة من الكبائر أيضا ، يجب الجزم بها لأنه صلى اللّه عليه وسلم كان في مقام التهيؤ للنبوة من صغره ، وقد شق صدره في سن الرضاع ، وأخرج منه حظ الشيطان ، ثم إنه لو كان قد وقع منه شيء لأخذوه عليه حين عارضوه في دعوته ، ولم يذكر من ذلك ولا شيء فلم يبق إلا القول في الصغائر ، فهي دائرة بين الجواز والمنع ، فإن كانت جائزة ووقعت ، فلا تمس مقامه صلى اللّه عليه وسلم لوقوعها قبل البعثة والتكليف ، وأنها قد غفرت وحط عنه ثقلها ، فإن لم تقع ولم تكن جائزة في حقه ، فهذا المطلوب . وقد ساق الألوسي رحمه اللّه في تفسيره : أن عمه أبا طالب ، قال لأخيه العباس يوما : « لقد ضممته إليّ وما فارقته ليلا ولا نهارا ولا ائتمنت عليه أحدا » ، وذكر قصة بنبيه ومنامه في وسط أولاده أول الليل ، ثم نقله أباه محل أحد أبنائه حفاظا عليه ، ثم قال : « ولم أر منه كذبة ولا ضحكا ولا جاهلية ، ولا وقف مع الصبيان وهم يلعبون » . وذكرت كتب التفسير أنه صلى اللّه عليه وسلم أراد مرة في صغره أن يذهب لمحل عرس ليرى ما فيه ، فلما دنا منه أخذه النوم ولم يصح إلا على حر الشمس ، فصانه اللّه من رؤية أو سماع ، شيء من ذلك . ومنه قصة مشاركته في بناء الكعبة حين تعرى ومنع منه حالا ، وعلى المنع من وقوع شيء منه صلى اللّه عليه وسلم بقي الجواب على معنى الآية ، فيقال واللّه تعالى أعلم : إنه تكريم له صلى اللّه عليه وسلم كما جاء في أهل بدر ، قوله صلى اللّه عليه وسلم : « لعل اللّه اطلع على أهل بدر فقال : افعلوا ما شئتم فقد غفرت لكم » مع أنهم لن يفعلوا محرما بذلك ، ولكنه تكريم لهم ورفع لمنزلتهم . وقد كان صلى اللّه عليه وسلم يتوب ويستغفر ويقوم الليل حتى تورّمت قدماه ، وقال : « أفلا أكون عبدا شكورا » .