الشنقيطي

144

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

وقيل : بمعنى من ، أي والذي خلق الذكر والأنثى . فعلى الأول يكون القسم بصفة من صفات اللّه وهي صفة الخلق ، ويكون خص الذكر والأنثى لما فيهما من بديع صنع اللّه وقوة قدرته سبحانه على ما يأتي . وعلى قراءة : والذكر والأنثى . يكون القسم بالمخلوق كالليل والنهار ، لما في الخلق من قدرة الخالق أيضا ، وعلى أنها بمعنى الذي يكون القسم بالخالق سبحانه ، وتكون ما هنا مثل ما في قوله : وَالسَّماءِ وَما بَناها [ الشمس : 5 ] ، وغاية ما فيه استعمالها وهي في الأصل لغير أولي العلم ، إلا أنها لوحظ فيها معنى الصفة ، وهي صفة الخلق أو على ما تستعمله العرب عند القرينة ، كقوله تعالى : وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ [ النساء : 22 ] ، وقوله : فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ [ النساء : 3 ] ، لما لوحظ فيه معنى الصفة وهو الاستمتاع ، ساغ استعمال ما بدلا عمن . وفي اختصاص خلق الذكر والأنثى في هذا المقام لفت نظر إلى هذه الصفة ، لما فيها من إعجاز البشر عنها ، كما في الليل والنهار من الإعجاز للبشر من أن يقدروا على شيء في خصوصه ، كما قدمنا في السورة قبلها . وذلك : أن أصل التذكير والتأنيث أمر فوق إدراك وقوى البشر ، وهي كالآتي أولا في الحيوانات الثديية ، وهي ذوات الرحم تحمل وتلد ، فإنها تنتج عن طريق اتصال الذكور بالإناث . وتذكير الجنين أو تأنيثه ليس لأبويه دخل فيه ، إنه من نطفة أمشاج ، أي أخلاط من ماء الأب والأم ، وجعل هذا ذكرا وذاك أنثى ، فهو هبة من اللّه كما في قوله : يَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ إِناثاً وَيَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ الذُّكُورَ ( 49 ) أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْراناً وَإِناثاً وَيَجْعَلُ مَنْ يَشاءُ عَقِيماً إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ [ الشورى : 49 - 50 ] . وقد ثبت علميا أن سبب التذكير والتأنيث من جانب الرجل ، أي أن ماء المرأة صالح لهذا وذاك ، وماء الرجل هو الذي به يكون التمييز لانقسام يقع فيه ، فالمرأة لا تعدو أن تكون حرثا ، والرجل هو الزارع ، ونوع الزرع يكون عن طريقه ، كما أشارت إليه الآية الكريمة نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ [ البقرة : 223 ] ، والحرث لا يتصرف في الزرع ، وإنما التصرف عن طريق الحارث . ويتم ذلك عن طريق مبدء معلوم علميا ، وهو أن خلية التلقيح في الأنثى دائما