الشنقيطي
133
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
قوله تعالى : ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَواصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ ( 17 ) هذا قيد في اقتحام العقبة ، بتلك الأعمال من عتق أو إطعام ، لأن عمل غير المؤمن لا يجعله يقتحم العقبة يوم القيامة لإحباط عمله ولاستيفائه إياه في الدنيا ، وثم هنا للترتيب الذكري لا الزمني ، لأن الإيمان مشروط وجوده عند العمل . وتقدم للشيخ رحمة اللّه تعالى علينا وعليه بيان شروط قبول العمل وصحته في سورة الإسراء عند قوله تعالى : وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ [ طه : 112 ] ، وكقوله : وَمَنْ أَرادَ الْآخِرَةَ وَسَعى لَها سَعْيَها وَهُوَ مُؤْمِنٌ [ الإسراء : 19 ] ، وقوله : مَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ [ النحل : 97 ] ، لأن الإيمان هو العمل الأساسي في حمل العبد على عمل الخير يبتغي به الثواب ، وخاصة الإنفاق في سبيل اللّه ، لأنه بذل بدون عوض عاجل . وقد بحث العلماء موضوع عمل الكافر الذي عمله حالة كفره ثم أسلم ، هل ينتفع به بعد إسلامه أم لا ؟ والراجح : أنه ينتفع به ، كما ذكر القرطبي أن حكيم بن حزام بعد ما أسلم قال : يا رسول اللّه إنا كنّا نتحنث بأعمال في الجاهلية فهل لنا منها شيء ؟ فقال عليه السلام « أسلمت على ما أسلفت من الخير » « 1 » ، وحديث عائشة قالت : « يا رسول اللّه إن ابن جدعان كان في الجاهلية يصل الرحم ويطعم الطعام ويفك العاني ويعتق الرقاب ، ويحمل على إبله للّه ، فهل ينفعه ذلك شيئا ؟ قال : لا ، إنه لم يقل يوما : رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين » « 2 » . ومفهومه أنه لو قالها ، أي لو أسلم فقالها كان ينفعه ، واللّه تعالى أعلم . وقوله تعالى : ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَواصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ ( 17 ) [ البلد : 17 ]
--> ( 1 ) أخرجه : البخاري في الزكاة حديث 1436 ، والبيوع حديث 2220 ، والعتق حديث 2538 ، والأدب حديث 5992 ، ومسلم في الإيمان حديث 194 و 195 و 196 . ( 2 ) أخرجه أحمد في المسند 6 / 10 .