الشنقيطي
129
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
رجل مشرك وهذا هو المناسب لقوله بعده لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي كَبَدٍ [ البلد : 4 ] ، وهذا من أعظمه . فإذا كان كل إنسان يكابد في حياته ، أيا كان هو ، ولأي غرض كان ، فمكابدتك تلك جديرة بالتقدير والإعظام ، حتى يقسم بها . واللّه تعالى أعلم . قوله تعالى : وَوالِدٍ وَما وَلَدَ ( 3 ) [ 3 ] . قيل : الوالد هو آدم ، وَما وَلَدَ ( 3 ) ، قيل : ما نافية . وقيل : مصدرية . فعلى أنها نافية : أي وكل عظيم لم يولد له . وعلى المصدرية : أي بمعنى الولادة من تخليص نفس من نفس ، وما يسبق ذلك من تلقيح وحمل ونمو الجنين وتفصيله وتخليقه وتسهيل ولادته . وقيل : ووالد وما ولد : كل والد مولود من حيوان وإنسان . وقد رجح بعض العلماء أن الوالد هو آدم ، وما ولد ذريته ، بأنه المناسب مع هذا البلد لأنها أم القرى ، وهو أبو البشر ، فكأنه أقسم بأصول الموجودات وفروعها . قوله تعالى : لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي كَبَدٍ ( 4 ) [ 4 ] . تقدم بيانه عند قوله تعالى : يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ إِنَّكَ كادِحٌ إِلى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ ( 6 ) [ الانشقاق : 6 ] . قوله تعالى : يَقُولُ أَهْلَكْتُ مالًا لُبَداً ( 6 ) أَ يَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ ( 7 ) [ 6 - 7 ] . لم يبين أيراه أحد ؟ ومن الذي يراه ؟ ومعلوم أنه سبحانه وتعالى يراه ، ولكن جاء الجواب مقرونا بالدليل والإحصاء في قوله تعالى بعده أَ لَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ ( 8 ) وَلِساناً وَشَفَتَيْنِ ( 9 ) وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ [ البلد : 8 - 10 ] ، لأن من جعل للإنسان عينين يبصر بهما ويعلم منه خائنة الأعين ، ولسانا ينطق به ويحصى عليه ما يلفظ من قول إلّا لديه رقيب عتيد ، وهداه الطريق ، طريق البذل وطريق الإمساك ، وإذا كان الأمر كذلك فلن ينفق درهما إلّا وهو سبحانه يعلمه ويراه .