الشنقيطي

116

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

تنبيه التوجيه هنا بالنظر إلى الكيفية في خلق الإبل ونصب الجبال ، ورفع السماء ، وتسطيح الأرض ، مع أن الكيف للحالة ، واللّه تعالى لم يشهد أحدا على شيء من ذلك كله * ما أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [ الكهف : 51 ] . فكيف يوجه السؤال إليهم للنظر إلى الكيفية وهي شيء لم يشهدوه . والجواب واللّه تعالى أعلم : هو أنه بالتأمل في نتائج خلق الإبل ، ونصب الجبال إلخ . وإن لم يعلموا الكيف ، بل ويعجزون عن كنهه وتحقيقه ، فهو أبلغ في إقامة الدليل عليهم ، كمن يقف أمام صنعة بديعة يجهل سر صنعتها ، فيتساءل كيف تم صنعها ؟ وقد وقع مثل ذلك وهو الإحالة على الأثر بدلا من كشف الكنه والكيف ، وذلك في سؤال الخليل عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام ربه ، أن يريه كيف يحيي الموتى . فكان الجواب : أن أراه الطيور تطير ، بعد أن ذبحها بيده وقطعها ، وجعل على كل جبل منها جزءا . فلم يشاهد كيفية وكنه ، وحقيقة الإحياء ، وهو دبيب الروح فيها وعودة الحياة إليها . لأن ذلك ليس في استطاعته ، ولكن شاهد الآثار المترتبة على ذلك ، وهي تحركها وطيرانها وعودتها إلى ما كانت عليه قبل ذبحها . مع أنه كان للعزير موقف مماثل وإن كان أوضح في البيان حيث شاهد العظام وهو سبحانه ينشرها ، ثم يكسوها لحما . واللّه تعالى أعلم . أما قوله تعالى بعد ذلك فَذَكِّرْ إِنَّما أَنْتَ مُذَكِّرٌ ، فإن مجيء هذا الأمر بالفاء في هذا الموطن ، فإنه يشعر بأن النظر الدقيق والفكر الدارس ، مما قد يؤدي بصاحبه إلى الاستدلال على وجود اللّه وعلى قدرته ، كما نطق مؤمن الجاهلية قس بن ساعدة في خطبته المشهورة : ليل داج ، ونهار ساج ، وسماء ذات أبراج ، ونجوم تزهر ، وبحار تزخر ، وجبال مرساة ، وأرض مدحاة ، وأنهار مجراة . فقد ذكر السماء والجبال والأرض . وكقول زيد بن عمرو بن نفيل ، مؤمن الجاهلية المعروف : وأسلمت وجهي لمن أسلمت * له الأرض تحمل صخرا ثقالا دحاها فلما استوت شدها * سواء وأرسى عليها الجبالا وأسلمت وجهي لمن أسلمت * له المزن تحمل عذبا زلالا