الشنقيطي

104

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

وحرمانه ، وإن أقرب مأخذ لنا لهو هذا الموطن بالذات من هذه السورة ، وهو بضميمة ما قبلها إليها من قوله تعالى : سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشى ( 10 ) وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرى [ الأعلى : 10 - 12 ] ، وبعدها قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى ( 14 ) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى [ الأعلى : 14 - 15 ] ، فقد قسمت هذه الآيات الأمة كلها أمة الدعوة إلى قسمين . أما التذكير والإنذار ، إذ قال تعالى : فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى ، فهذا موقف النّبي صلى اللّه عليه وسلم ، وجاء تقسيم الأمة إلى القسمين الآيتين : سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشى : فينتفع بالذكرى وتنفعه ، وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى ، فلا تنفعه ولا ينتفع بها ، ثم جاء الحكم بالفلاح : قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى ( 14 ) ، أي من يخشى وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى ، ولم يغفل عن ذكر اللّه تعالى ، وهذا الموقف بنفسه هو المفصل في سورة الحديد ، وفي معرض التوجيه لنا والتوبيخ للأمم الماضية أيضا * أَ لَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَما نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلُ فَطالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ [ الحديد : 16 ] . فقسوة القلب وطول الأمد والتسويف : هي العوامل الأساسية للغفلة وإيثار الدنيا . والخشية والذكر : هي العوامل الأساسية لإيثار الآخرة ثم عرض الدنيا في حقيقتها بقوله : اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكاثُرٌ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ - إلى قوله - وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ [ الحديد : 20 - 21 ] . فوصف الداء والدواء معا في هذا السياق . فالداء : هو الغرور ، والدواء : هو المسابقة إلى مغفرة من اللّه ورضوانه . وقوله : إِنَّ هذا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولى ، قيل : اسم الإشارة راجع إلى السورة ، كلها لتضمنها معنى التوحيد والمعاد والذكر والعبادات ، والصحف الأولى : هي صحف إبراهيم وموسى ، على أنها بدل من الأولى . وجاء عند القرطبي : أن صحف إبراهيم كانت أمثالا ، وصحف موسى كانت مواعظ ، وذكر نماذج لها . وعند الفخر الرازي من رواية أبي ذر رضي اللّه عنه ، أنه سأل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم « كم أنزل اللّه من كتاب ؟ فقال : مائة وأربعة كتب على آدم عشر صحف ، وعلى