الشنقيطي
99
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
بينه قوله : مِنَ الْفَجْرِ [ البقرة : 187 ] ، والعرب تسمي ضوء الصبح خيطا ، وظلام الليل المختلط به خيطا ، ومنه قول أبي دؤاد الإيادي : فلما أضاءت لنا سدفة * ولاح من الصبح خيط أنارا وقول الآخر : الخيط الأبيض ضوء الصبح منفلق * والخيط الأسود جنح الليل مكتوم قوله تعالى : وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقى [ 189 ] . لم يصرح هنا بالمراد بمن اتقى ، ولكنه بينه بقوله : وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقابِ وَأَقامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذا عاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ ( 177 ) [ البقرة : 177 ] ، والكلام في الآية على حذف مضاف ، أي ولكن ذا البر من اتقى ، وقيل : ولكن البر بر من اتقى ، ونظير الآية في ذلك من كلام العرب قول الخنساء : لا تسأم الدهر منه كلما ذكرت * فإنما هي إقبال وإدبار أي ذات إقبال ، وقول الشاعر : وكيف تواصل من أصبحت * خلالته كأبي مرحب أي كخلالة أبي مرحب ، وقول الآخر : لعمرك ما الفتيان أن تنبت اللحى * ولكنما الفتيان كل فتى ندى أي ليس الفتيان فتيان نبات اللحى . قوله تعالى : وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ [ 190 ] . فيه ثلاثة أوجه للعلماء : الأول : أن المراد بالذين يقاتلونكم من شأنهم القتال ، أي دون غيرهم ، كالنساء ، والصبيان ، والشيوخ الفانية ، وأصحاب الصوامع . الثاني : أنها منسوخة بآيات السيف الدالة على قتالهم مطلقا . الثالث : أن المراد بالآية تهييج المسلمين وتحريضهم على قتال الكفار ، فكأنه يقول لهم : هؤلاء الذين أمرتكم بقتالهم خصومكم ، وأعداؤكم الذين يقاتلونكم ، وأظهرها الأول . وعلى القول الثالث فالمعنى يبينه ويشهد له قوله تعالى : وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً