الشنقيطي
93
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
أحدهما : يأكل الطعام وهو قول عبد اللّه بن دينار ؛ لأنه قادر على الطعام الحلال فلم يجز له أكل الميتة كما لو بذله له صاحبه . ولنا أن أكل الميتة منصوص عليه ومال الآدمي مجتهد فيه ، والعدول إلى المنصوص عليه أولى ؛ ولأن حقوق اللّه تعالى مبنية على المسامحة والمساهلة ، وحقوق الآدمي مبنية على الشح والتضييق ؛ ولأن حق الآدمي تلزمه غرامته وحق اللّه لا عوض له . * * * المسألة السادسة : إذا كان المضطر إلى الميتة محرما وأمكنه الصيد فهل يقدم الميتة أو الصيد ؟ اختلف العلماء في ذلك ، فذهب مالك وأبو حنيفة وأحمد - رحمهم اللّه - والشافعي في أصح القولين : إلى أنه يقدم الميتة . وعن الشافعي - رحمه اللّه تعالى - قول بتقديم الصيد وهو مبني على القول : بأن المحرم إن ذكى صيدا لم يكن ميتة . والصحيح أن ذكاة المحرم للصيد لغو ويكون ميتة ، والميتة أخف من الصيد للمحرم ؛ لأنه يشاركها في اسم الميتة ويزيد بحرمة الاصطياد ، وحرمة القتل ، وسيأتي لهذه المسألة زيادة بيان إن شاء اللّه في سورة المائدة . وممن قال بتقديم الصيد للمحرم على الميتة أبو يوسف ، والحسن ، والشعبي ، واحتجوا بأن الصيد يجوز للمحرم عند الضرورة ، ومع جوازه والقدرة عليه تنتفي الضرورة فلا تحل الميتة . واحتج الجمهور بأن حل أكل الميتة عند الضرورة منصوص عليه ، وإباحة الصيد للضرورة مجتهد فيها ، والمنصوص عليه أولى ، فإن لم يجد المضطر إلا صيدا وهو محرم فله ذبحه وأكله ، وله الشبع منه على التحقيق ، لأنه بالضرورة وعدم وجود غيره صار مذكى ذكاة شرعية ، طاهرا حلالا فليس بميتة ، ولذا تجب ذكاته الشرعية ، ولا يجوز قتله ، والأكل منه بغير ذكاة . ولو وجد المضطر ميتة ولحم خنزير أو لحم إنسان ميت فالظاهر تقديم الميتة على الخنزير ولحم الآدمي . قال الباجي : إن وجد المضطر ميتة وخنزيرا فالأظهر عندي أن يأكل الميتة ؛ لأن الخنزير ميتة ولا يباح بوجه ، وكذلك يقدم الصيد على الخنزير والإنسان على الظاهر ، ولم يجز عند المالكية أكل الإنسان للضرورة مطلقا وقتل الإنسان الحي المعصوم الدم ، لأكله