الشنقيطي

46

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

السَّماءِ [ 29 ] . ظاهره أن ما في الأرض جميعا خلق بالفعل قبل السماء ، ولكنه بين في موضع آخر أن المراد بخلقه قبل السماء ، تقديره . والعرب تسمي التقدير خلقا كقول زهير : ولأنت تفري ما خلقت وبعض * القوم يخلق ثم لا يفري وذلك في قوله : وَقَدَّرَ فِيها أَقْواتَها [ فصلت : 10 ] ، ثم قال : ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ الآية . قوله تعالى : وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً [ 30 ] الآية . في قوله : خَلِيفَةً وجهان من التفسير للعلماء : أحدهما : أن المراد بالخليفة أبونا آدم عليه وعلى نبينا الصلاة السلام ؛ لأنه خليفة اللّه في أرضه في تنفيذ أوامره . وقيل : لأنه صار خلفا من الجن الذين كانوا يسكنون الأرض قبله . وعليه فالخليفة : فعيلة بمعنى فاعل . وقيل : لأنه إذا مات يخلفه من بعده ، وعليه فهو من فعيلة بمعنى مفعول . وكون الخليفة هو آدم هو الظاهر المتبادر من سياق الآية . الثاني : أن قوله خليفة مفرد أريد به الجمع ، أي خلائف ، وهو اختيار ابن كثير . والمفرد إن كان اسم جنس يكثر في كلام العرب إطلاقه مرادا به الجمع كقوله تعالى : إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ ( 54 ) [ القمر : 54 ] يعنى وأنهار ، بدليل قوله : فِيها أَنْهارٌ مِنْ ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ [ محمد : 15 ] الآية ، وقوله : وَاجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إِماماً ( 74 ) [ الفرقان : 74 ] ، وقوله : فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً [ النساء : 4 ] . ونظيره من كلام العرب قول عقيل بن علّفة المري : وكان بنو فزارة شرّ عمّ * وكنت لهم كشرّ بني الأخينا وقول العباس بن مرداس السلمي : فقلنا اسلموا إنّا أخوكم * وقد سلمت من الإحن الصدور وأنشد له سيبويه قول علقمة بن عبدة التميمي : بها جيف الحسرى فأما عظامها * فبيض وأما جلدها فصليب وقول الآخر : كلوا في بعض بطنكم تعفو * فإنّ زمانكم زمن خميص وإذا كانت هذه الآية الكريمة تحتمل الوجهين المذكورين . فاعلم أنه قد دلت آيات أخر على الوجه الثاني ، وهو أن المراد بالخليفة : الخلائف من آدم وبنيه لا آدم نفسه وحده ،