الشنقيطي

42

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

نحن بصددها ، وإن كانت في المنافقين ، فالعبرة بعموم الألفاظ لا بخصوص الأسباب . قوله تعالى : وَبَرْقٌ [ 19 ] . ضرب تعالى المثل بالبرق لما في القرآن من نور الأدلة القاطعة والبراهين الساطعة . وقد صرح بأن القرآن نور يكشف اللّه به ظلمات الجهل والشك والشرك . كما تكشف بالنور الحسي ظلمات الدجى كقوله : وَأَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ نُوراً مُبِيناً ( 174 ) [ النساء : 174 ] وقوله : وَلكِنْ جَعَلْناهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا [ الشورى : 52 ] وقوله : وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ [ الأعراف : 157 ] . قوله تعالى : وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ ( 19 ) [ 19 ] . قال بعض العلماء : محيط بالكافرين : أي مهلكهم ، ويشهد لهذا القول قوله تعالى : لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحاطَ بِكُمْ [ يوسف : 66 ] أي : تهلكوا عن آخركم . وقيل : تغلبوا . والمعنى متقارب ، لأن الهالك لا يهلك حتى يحاط به من جميع الجوانب ، ولم يبق له منفذ للسلامة ينفذ منه . وكذلك المغلوب . ومنه قول الشاعر : أحطنا بهم حتى إذا ما تيقنوا * بما قد رأوا مالوا جميعا إلى السلم ومنه أيضا بمعنى الهلاك قوله تعالى : وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ [ الكهف : 42 ] الآية . وقوله تعالى : وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ [ يوسف : 22 ] الآية . قوله تعالى : يَكادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصارَهُمْ [ 20 ] . أي : يكاد نور القرآن لشدة ضوئه يعمي بصائرهم ، كما أن البرق الخاطف الشديد النور يكاد يخطف بصر ناظره ، ولا سيما إذا كان البصر ضعيفا ؛ لأن البصر كلما كان أضعف كان النور أشد إذهابا له . كما قال الشاعر : مثل النهار يزيد أبصار الورى * نورا ويعمي أعين الخفّاش وقال الآخر : خفافيش أعماها النهار بضوئه * ووافقها قطع من الليل مظلم وبصائر الكفار والمنافقين في غاية الضعف . فشدة ضوء النور تزيدها عمى . وقد صرح تعالى بهذا العمى في قوله : أَ فَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمى [ الرعد : 19 ] وقوله : وَما يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ ( 19 ) [ فاطر : 19 ] إلى غير ذلك من الآيات . وقال بعض العلماء : يكاد البرق يخطف أبصارهم أي : يكاد محكم القرآن يدل على عورات المنافقين .