الشنقيطي

38

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

وقوله تعالى : وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ [ الإسراء : 29 ] فنهاه عن البخل بقوله : وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ [ الإسراء : 29 ] . ونهاه عن الإسراف بقوله : وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ [ الإسراء : 29 ] فيتعين الوسط بين الأمرين كما بينه بقوله : وَالَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكانَ بَيْنَ ذلِكَ قَواماً ( 67 ) [ الفرقان : 67 ] فيجب على المنفق أن يفرق بين الجود والتبذير ، وبين البخل والاقتصاد . فالجود : غير التبذير ، والاقتصاد : غير البخل . فالمنع في محل الإعطاء مذموم ، وقد نهى اللّه عنه نبيه صلّى اللّه عليه وسلم بقوله : وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ ، والإعطاء في محل المنع مذموم أيضا وقد نهى اللّه عنه نبيه صلّى اللّه عليه وسلم بقوله : وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ وقد قال الشاعر : لا تمدحنّ ابن عبّاد وإن هطلت * يداه كالمزن حتى تخجل الدّيما فإنها فلتات من وساوسه * يعطي ويمنع لا بخلا ولا كرما وقد بين تعالى في مواضع أخر أن الإنفاق المحمود لا يكون كذلك ، إلا إذا كان مصرفه الذي صرف فيه مما يرضي اللّه ، كقوله تعالى : قُلْ ما أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ [ البقرة : 215 ] الآية - وصرح بأن الإنفاق فيما لا يرضي اللّه حسرة على صاحبه في قوله : فَسَيُنْفِقُونَها ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً [ الأنفال : 36 ] الآية - وقد قال الشاعر : إن الصنيعة لا تعدّ صنيعة * حتى يصاب بها طريق المصنع فإن قيل : هذا الذي قررتم يقتضي أن الإنفاق المحمود هو إنفاق ما زاد على الحاجة الضرورية ، مع أن اللّه تعالى أثنى على قوم بالإنفاق وهم في حاجة إلى ما أنفقوا ، وذلك في قوله : وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ( 9 ) [ الحشر : 9 ] . فالظاهر في الجواب - واللّه تعالى أعلم - هو ما ذكره بعض العلماء من أن لكل مقام مقالا ، ففي بعض الأحوال يكون الإيثار ممنوعا . وذلك كما إذا كانت على المنفق نفقات واجبة ، كنفقة الزوجات ونحوها ، فتبرع بالإنفاق في غير واجب وترك الفرض لقوله صلّى اللّه عليه وسلم : « وابدأ بمن تعول » « 1 » ، وكأن يكون لا صبر عنده عن سؤال الناس فينفق ماله ويرجع إلى الناس يسألهم مالهم ، فلا يجوز له ذلك ، والإيثار فيما إذا كان لم يضيع نفقة واجبة وكان واثقا من نفسه بالصبر والتعفف وعدم السؤال . وأما على القول بأن قوله تعالى وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ ( 3 ) [ البقرة : 3 ] يعني

--> ( 1 ) أخرجه عن أبي أمامة : الترمذي في الزهد حديث 2343 ، وأحمد في المسند 5 / 262 ، وأخرجه عن طارق المحاربي النسائي في الزكاة باب أيتهما اليد العليا . وأخرجه عن جابر بن عبد اللّه أحمد في المسند 3 / 330 ، 346 .