الشنقيطي

341

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

وقد قرر العلماء أن الحق واسطة بين التفريط والإفراط وهو معنى قول مطرف بن عبد اللّه : الحسنة بين سيئتين وبه تعلم أن من جانب التفريط والإفراط فقد اهتدى ولقد أجاد من قال : ولا تغل في شيء من الأمر واقتصد * كلا طرفي قصد الأمور ذميم وقد ثبت في الصحيح عنه صلّى اللّه عليه وسلم أنه قال : « لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ، وقولوا عبد اللّه ورسوله » « 1 » . قوله تعالى : وَكَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ [ 171 ] . ليست لفظة من في هذه الآية للتبعيض ، كما يزعمه النصارى افتراء على اللّه ، ولكن من هنا لابتداء الغاية ، يعني أن مبدأ ذلك الروح الذي ولد به عيسى حيا من اللّه تعالى ؛ لأنه هو الذي أحياه به ، ويدل على أن من هنا لابتداء الغاية . قوله تعالى : وَسَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ [ الجاثية : 13 ] أي : كائنا مبدأ ذلك كله منه جل وعلا ويدل لما ذكرنا ما روي عن أبي بن كعب أنه قال : « خلق اللّه أرواح بني آدم لما أخذ عليهم الميثاق ، ثم ردها إلى صلب آدم ، وأمسك عنده روح عيسى عليه الصلاة والسلام ؛ فلما أراد خلقه أرسل ذلك الروح إلى مريم ، فكان منه عيسى عليه السلام » « 2 » وهذه الإضافة للتفضيل ؛ لأن جميع الأرواح من خلقه جل وعلا كقوله : وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ [ الحج : 26 ] . وقوله : ناقَةُ اللَّهِ [ الأعراف : 73 ] الآية . وقيل قد يسمى من تظهر منه الأشياء العجيبة روحا ويضاف إلى اللّه ، فيقال هذا روح من اللّه أي : من خلقه ، وكان عيسى يبرئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى بإذن اللّه ، فاستحق هذا الاسم ، وقيل سمي روحا بسبب نفخة جبريل عليه السلام المذكورة في سورة الأنبياء والتحريم ، والعرب تسمي النفخ روحا ؛ لأنه ريح تخرج من الروح ، ومنه قول ذي الرمة . فقلت له : ارفعها إليك وأحيها * بروحك واقتته لها قيتة قدرا وعلى هذا القول فقوله « وروح » معطوف على الضمير العائد إلى اللّه الذي هو فاعل ألقاها ، قاله القرطبي واللّه تعالى أعلم . وقال بعض العلماء وروح منه : أي رحمة منه ، وكان عيسى رحمة من اللّه لمن اتبعه ، قيل ومنه وأيده بروح منه ، أي : برحمة منه ، حكاه القرطبي أيضا ، وقيل روح منه أي : برهان منه وكان عيسى برهانا وحجة على قومه والعلم عند اللّه تعالى .

--> ( 1 ) أخرجه عن عمر بن الخطاب : البخاري في أحاديث الأنبياء حديث 3445 . ( 2 ) أخرجه عن أبي بن كعب : ابن جرير الطبري في جامع البيان 6 / 25 .