الشنقيطي

281

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

تقدم ، أو لأنه نزل في حادثة واقعة مبينا حكمها . كما روي عن مجاهد « 1 » قال : كان النبي صلّى اللّه عليه وسلم وأصحابه بعسفان والمشركون بضجنان ، فتوافقوا ، فصلى النبي صلّى اللّه عليه وسلم بأصحابه صلاة تامة بركوعها وسجودها ، فهمّ بهم المشركون أن يغيروا على أمتعتهم وأثقالهم فنزلت ، وهذه الحادثة وقعت وهم مسافرون ضاربون في الأرض ، وقد تقرر في الأصول أن من موانع اعتبار مفهوم المخالفة كون المنطوق نازلا على حادثة واقعة ، ولذا لم يعتبر مفهوم المخالفة في قوله : إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً [ النور : 33 ] ولا في قوله : لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ [ آل عمران : 28 ] لأن كلا منهما نزل على حادثة واقعة : فالأول : نزل في إكراه ابن أبي جواريه على الزنا ، وهن يردن التحصن من ذلك . والثاني : نزل في قوم من الأنصار والوا اليهود من دون المؤمنين ، فنزل القرآن في كل منهما ناهيا عن الصورة الواقعة من غير إرادة التخصيص بها ، وأشار إليه في المراقي بقوله في تعداد موانع اعتبار مفهوم المخالفة : أو امتنان أو وفاق الواقع * والجهل والتأكيد عند السامع وأجابوا عن كونه صلّى اللّه عليه وسلم لم يصلها يوم الخندق : بأن ذلك كان قبل نزول صلاة الخوف ، كما رواه النسائي وابن حبان والشافعي ، وبه تعلم عدم صحة قول من قال : إن غزوة ذات الرقاع التي صلى فيها النبي صلّى اللّه عليه وسلم صلاة الخوف ، كانت قبل الخندق ، وأجابوا عن كونه لم يصلها إلا في السفر ، بأن السفر بالنسبة إلى صلاة الخوف وصف طردي ، وعلتها هي الخوف لا السفر ، فمتى وجد الخوف وجد حكمها ، كما هو ظاهر . نكتة : فإن قيل : لم لا تكون كل هيئة من هيئات صلاة الخوف ناسخة للتي قبلها ؛ لأنهم كانوا يأخذون بالأحدث فالأحدث ، فالجواب من وجهين . الأول : هو ما تقدم من أن العدو تارة يكون إلى جهة القبلة وتارة إلى غير جهتها إلى آخر ما تقدم ، وكل حالة تفعل فيها الهيئة المناسبة لها كما هو ظاهر . الثاني : هو ما حققه بعض الأصوليين كابن الحاجب والرهوني وغيرهما من أن الأفعال لا تعارض بينها أصلا ، إذ الفعل لا يقع في الخارج إلا شخصيا لا كليا حتى ينافي فعلا آخر ، فليس للفعل الواقع قدر مشترك بينه وبين غيره ، فيجوز أن يقع الفعل واجبا في وقت ، وفي وقت آخر بخلافه ، وإذن فلا مانع من جواز الفعلين المختلفين في الهيئة لعبادة واحدة وعقده في مراقي السعود بقوله :

--> ( 1 ) أخرجه ابن جرير في جامع البيان 5 / 156 .