الشنقيطي
26
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
بيان المنطوق بالمفهوم كما قدمنا خلافا لقوم منعوا ذلك زاعمين أن المنطوق أظهر من المفهوم والأظهر لا يبين بالأخفى ، وحكاه الباجي عن أكثر المالكية وأجيب بأنه ما كل منطوق يقدم على المفهوم ، بل بعض المفاهيم أقوى دلالة على الأمر من دلالة المنطوق عليه ، ألا ترى أن دلالة مفهوم حديث « في الغنم السّائمة زكاة » « 1 » عند من لا يرى الزكاة في المعلوفة أظهر في عدم الزكاة في المعلوفة ، من دخولها في عموم منطوق حديث « في أربعين شاة شاة » « 2 » ، لأن المفهوم أخص بها وأقوى دلالة فيها من عموم المنطوق ، وإلى هذا أشار في مراقي السعود بقوله : وبين القاصر من حيث السند * أو الدلالة على ما يعتمد فالبيان بالقاصر سندا كبيان المتواتر بالآحاد ، والبيان بالقاصر دلالة كبيان المنطوق بالمفهوم كما قدمنا ، والمراد بقصوره في الدلالة أغلبية ذلك لا لزومه في كل حال كما أشرنا إليه آنفا ، وحكى القاضي الباقلاني عن جماعة من العراقيين أن المبين بالفتح إن كان وجوبه يعم جميع المكلفين كالصلاة فلا يبين إلا بمتواتر ، وإليه أشار في مراقي السعود بقوله : وأوجبن عند بعض علما * إذا وجوب ذي الخفاء عما ولا يخفى سقوط هذا القول وأنه لا وجه لردّ حديث صحيح دال على بيان نص من غير معارض بدعوى أنه لم يتواتر ومنع بيان المتواتر مطلقا بالآحاد أشد سقوطا . واعلم أن الأصوليين اختلفوا في البيان بالقول هل هو أقوى من البيان بالفعل أو لا ؟ قال مقيده عفا اللّه عنه : الظاهر أن التحقيق في ذلك هو ما حققه أبو إسحاق الشاطبي - رحمه اللّه - وهو أن كل واحد منهما أقوى من صاحبه من جهة ، فالفعل يبلغ من بيان الكيفيات المعينة المخصوصة ما لا يبلغه القول ، والقول يبلغ من بيان الخصوص والعموم في الأحوال والأشخاص ما لا يبلغه الفعل . مسائل تتعلق بالبيان المسألة الأولى : إذا ورد بعد المجمل قول وفعل ، فلا يخلو الأمر من واحدة من ثلاث حالات :
--> ( 1 ) أخرجه عن أنس : البخاري في الزكاة حديث 1454 ، وابن حجر في تلخيص الحبير كتاب الزكاة باب صدقة الخلطاء حديث 821 . ( 2 ) أخرجه عن ابن عمر : أبو داود في الزكاة حديث 1568 ، والترمذي في الزكاة حديث 621 ، والبيهقي في الزكاة 4 / 88 ، وابن ماجة في الزكاة حديث 1805 ، والحاكم في المستدرك كتاب الزكاة 1 / 393 ، 394 ، والدارقطني في الزكاة حديث 4 .