الشنقيطي
242
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
لمّا استحقّتا مع الذكر النصف علم أنّهما إن انفردتا عنه ، استحّقتا أكثر من ذلك ؛ لأنّ الواحدة إذا انفردت أخذت النصف ، بعد ما كانت معه تأخذ الثلث ، ويزيده إيضاحا أنّ البنت تأخذ مع الابن الذكر الثلث بلا نزاع ، فلأن تأخذه مع الابنة الأنثى أولى . فبهذا يظهر أنه جلّ وعلا ، أشار إلى ميراث البنتين بقوله : لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ [ النساء : 11 ] كما بينّا ، ثمّ ذكر حكم الجماعة من البنات ، وحكم الواحدة منهنّ بقوله : فَإِنْ كُنَّ نِساءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثا ما تَرَكَ وَإِنْ كانَتْ واحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ [ النساء : 11 ] وممّا يزيده إيضاحا ، أنّه تعالى فرّعه عليه بالفاء في قوله : فَإِنْ كُنَّ إذ لو لم يكن فيما قبله ما يدّل على سهم الإناث لم تقع الفاء موقعها كما هو ظاهر . الموضع الثاني : هو قوله تعالى في الأختين : فَإِنْ كانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثانِ مِمَّا تَرَكَ [ النساء : 176 ] ؛ لأنّ البنت أمسّ رحما ، وأقوى سببا في الميراث من الأخت بلا نزاع . فإذا صرّح تعالى : بأنّ للأختين الثلثين ، علم أنّ البنتين كذلك من باب أولى ، وأكثر العلماء على أنّ فحوى الخطاب ، أعني : مفهوم الموافقة الّذي المسكوت فيه أولى بالحكم من المنطوق ، من قبيل دلالة اللّفظ لا من قبيل القياس ، خلافا للشافعي وقوم ، كما علم في الأصول ، فاللّه تبارك وتعالى لمّا بيّن أنّ للأختين الثلثين ، أفهم بذلك أنّ البنتين كذلك من باب أولى . وكذلك لمّا صرّح أنّ لما زاد على الاثنتين من البنات الثلثين فقط ، لم يذكر حكم ما زاد على الاثنتين من الأخوات ، أفهم أيضا من باب أولى أنّه ليس لما زاد من الأخوات غير الثلثين ؛ لأنّه لمّا لم يعط للبنات علم أنّه لا تستحقّه الأخوات ، فالمسكوت عنه في الأمرين أولى بالحكم من المنطوق به ، وهو دليل على أنّه قصد أخذه منه ، ويزيد ما ذكرنا إيضاحا ما أخرجه الإمام أحمد « 1 » ، وأبو داود « 2 » ، والترمذي « 3 » وابن ماجة « 4 » ، عن جابر رضي اللّه عنه ، قال : جاءت امرأة سعد بن الربيع إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فقالت : يا رسول اللّه ، هاتان ابنتا سعد قتل أبوهما يوم أحد ، وإنّ عمّهما أخذ مالهما ، ولم يدع لهما مالا ، ولا ينكحان إلّا ولهما مال ، فقال صلّى اللّه عليه وسلم : « يقضي اللّه تعالى ، في ذلك » . فنزلت آية الميراث فبعث رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم إلى عمّهما ، فقال « أعط ابنتي سعد الثلثين ، واعط أمّهما الثمن ، وما بقي فهو لك » .
--> ( 1 ) المسند 3 / 352 . ( 2 ) كتاب الفرائض حديث 2891 و 2892 . ( 3 ) كتاب الفرائض حديث 2092 . ( 4 ) كتاب الفرائض حديث 2720 .