الشنقيطي
238
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
غيره : لئلّا يشاركه في مالها . فنهوا أن ينكحوهّن إلّا أن يقسطوا إليهنّ ويبلغوا بهنّ أعلى سنّتهنّ في الصداق ، وأمروا أن ينكحوا ما طاب لهم من النساء سواهنّ « 1 » . كما أنّه يرغب عن نكاحها إن كانت قليلة المال ، والجمال ، فلا يحلّ له أن يتزوّجها إن كانت ذات مال وجمال إلّا بالإقساط إليها ، والقيام بحقوقها كاملة غير منقوصة ، وهذا المعنى الّذي ذهبت إليه أم المؤمنين ، عائشة ، رضي اللّه عنها ، يبيّنه ويشهد له قوله تعالى : وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّساءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَما يُتْلى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ فِي يَتامَى النِّساءِ اللَّاتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ ما كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ [ النساء : 127 ] وقالت ، رضي اللّه عنها : إنّ المراد بما يتلى عليكم في الكتاب هو قوله تعالى : وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى [ النساء : 3 ] الآية ، فتبين أنها يتامى النساء بدليل تصريحه بذلك في قوله : فِي يَتامَى النِّساءِ اللَّاتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ ما كُتِبَ لَهُنَّ الآية . فظهر من هذا أنّ المعنى : وإن خفتم ألّا تقسطوا في زواج اليتيمات فدعوهنّ ، وانكحوا ما طاب لكم من النساء سواهنّ ، وجواب الشرط دليل واضح على ذلك ؛ لأن الربط بين الشرط والجزاء يقتضيه ، وهذا هو أظهر الأقوال ؛ لدلالة القرآن عليه ، وعليه فاليتامى جمع يتيمة على القلب ، كما قيل أيامى والأصل أيائم ويتائم لما عرف أن جمع الفعلية فعائل ، وهذا القلب يطرد في معتل اللام كقضيّة ، ومطيّة ، ونحو ذلك ويقصر على السماع فيما سوى ذلك . قال ابن خويز منداد : يؤخذ من هذه الآية جواز اشتراء الوصيّ وبيعه من مال اليتيم لنفسه بغير محاباة ، وللسلطان النظر فيما وقع من ذلك ، وأخذ بعض العلماء من هذه الآية أنّ الولي إذا أراد نكاح من هو وليّها جاز أن يكون هو الناكح والمنكح وإليه ذهب مالك ، وأبو حنيفة ، والأوزاعي ، والثوري ، وأبو ثور ، وقاله من التابعين : الحسن وربيعة وهو قول الليث . وقال زفر والشافعي : لا يجوز له أن يتزوّجها إلّا بإذن السلطان ، أو يزوّجها ولي آخر أقرب منه أو مساو له . وقال أحمد في إحدى الروايتين : يوكل رجلا غيره فيزوّجها منه ، وروي هذا عن المغيرة بن شعبة ، كما نقله القرطبي ، وغيره . وأخذ مالك بن أنس من تفسير عائشة لهذه الآية « 2 » ، كما ذكرنا الردّ إلى صداق المثل
--> ( 1 ) أخرجه البخاري في الشركة حديث 2494 ، والوصايا حديث 2763 ، والتفسير حديث 4574 ، والنكاح حديث 5064 و 5092 ، والحيل حديث 6965 ، ومسلم في التفسير حديث 6 و 7 و 8 و 9 ، وأبو داود في النكاح حديث 2068 ، والنسائي في النكاح ، باب القسط في الأصدقة . ( 2 ) سبق تخريجه .