الشنقيطي
230
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
والسنان ، ودليلكم فيما هو أعم من هذا ؛ لأن الآيات التي دلت على قتل بعض الرسل ، لم تدل على أنه في خصوص جهاد ، بل ظاهرها أنه في غير جهاد ، كما يوضحه . الوجه الثاني : وهو أن جميع الآيات الدالة على أن بعض الرسل قتلهم أعداء اللّه كلها في قتل بني إسرائيل أنبياءهم ، في غير جهاد ، ومقاتله إلا موضع النزاع وحده . الوجه الثالث : أن ما رجحناه من أن نائب الفاعل رِبِّيُّونَ تتفق عليه آيات القرآن اتفاقا واضحا ، لا لبس فيه على مقتضى اللسان العربي في أفصح لغاته ، ولم تتصادم منه آيتان ، حيث حملنا الرسول المقتول على الذي لم يؤمر بالجهاد ، فقتله إذن لا إشكال فيه ، ولا يؤدي إلى معارضة آية واحدة من كتاب اللّه ؛ لأن اللّه حكم للرسل بالغلبة ، والغلبة لا تكون إلا مع مغالبة ، وهذا لم يؤمر بالمغالبة في شيء ، ولو أمر بها في شيء لغلب فيه ، ولو قلنا بأن نائب الفاعل ضمير النبي لصار المعنى أن كثيرا من الأنبياء المقاتلين قتلوا في ميدان الحرب ، كما تدل عليه صيغة وَكَأَيِّنْ [ آل عمران : 146 ] المميزة بقوله : مِنْ نَبِيٍّ [ آل عمران : 146 ] قتل الأعداء هذا العدد الكثير من الأنبياء المقاتلين في ميدان الحرب مناقض مناقضة صريحة لقوله : كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي [ المجادلة : 21 ] وقد عرفت معنى الغلبة في القرآن ، وعرفت أنه تعالى ، بين أن المقتول غير الغالب ، كما تقدم ، وهذا الكتاب العزيز ما أنزل ليضرب بعضه بعضا ، ولكن أنزل ليصدق بعضه بعضا ، فاتضح أن القرآن دل دلالة واضحة على أن نائب الفاعل رِبِّيُّونَ [ آل عمران : 146 ] وأنه لم يقتل رسول في جهاد ، كما جزم به الحسن البصري وسعيد بن جبير ، والزجاج ، والفراء ، وغير واحد ، وقصدنا في هذا الكتاب البيان بالقرآن ، لا بأقوال العلماء ، ولذا لم ننقل أقوال من رجح ما ذكرنا . وما رجح به بعض العلماء كون نائب الفاعل ضمير النبي من أن سبب النزول يدل على ذلك ؛ لأن سبب نزولها « أن الصائح صاح قتل محمد صلّى اللّه عليه وسلم » « 1 » وأن قوله : أَ فَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ [ آل عمران : 144 ] يدل على ذلك وأن قوله : فَما وَهَنُوا لِما أَصابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ [ آل عمران : 146 ] يدل على أن الربيين لم يقتلوا لأنهم لو قتلوا لما قال عنهم فَما وَهَنُوا لِما أَصابَهُمْ الآية . فهو كلام كله ساقط وترجيحات لا معول عليها فالترجيح بسبب النزول فيه أن سبب النزول لو كان يقتضي تعيين ذكر قتل النبي لكانت قراءة الجمهور قاتل بصيعة الماضي من المفاعلة جارية على خلاف المتعين وهو ظاهر السقوط كما ترى والترجيح بقوله أَ فَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ ظاهر السقوط ؛ لأنهما معلقان بأداة الشرط والمعلق بها لا يدل على وقوع نسبة أصلا لا إيجابا ولا سلبا حتى يرجح بها غيرها .
--> ( 1 ) أخرجه عن ابن عباس : أحمد في المسند 1 / 287 ، 288 .