الشنقيطي

223

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

قوله تعالى : وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْواناً [ 103 ] . لم يبين هنا ما بلغته معاداتهم من الشدة ولكنه بين في موضع آخر أن معاداتهم بلغت من الشدة أمرا عظيما حتى لو أنفق ما في الأرض كله ؛ لإزالتها وللتأليف بين قلوبهم لم يفد ذلك شيئا وذلك في قوله : وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ ( 62 ) وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ما أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ( 63 ) [ الأنفال : 62 - 63 ] . قوله تعالى : وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ [ 106 ] بين في هذه الآية الكريمة أن من أسباب اسوداد الوجوه يوم القيامة الكفر بعد الإيمان وذلك في قوله : فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ [ آل عمران : 106 ] الآية . وبين في موضع آخر أن من أسباب ذلك الكذب على اللّه تعالى وهو قوله تعالى : وَيَوْمَ الْقِيامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ [ الزمر : 60 ] . وبين في موضع آخر أن من أسباب ذلك اكتساب السيئات وهو قوله : وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئاتِ جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ما لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عاصِمٍ كَأَنَّما أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعاً مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِماً [ يونس : 27 ] وبين في موضع آخر أن من أسباب ذلك الكفر والفجور وهو قوله تعالى : وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ ( 40 ) تَرْهَقُها قَتَرَةٌ ( 41 ) أُولئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ ( 42 ) [ عبس : 40 - 42 ] . وهذه الأسباب في الحقيقة شيء واحد عبر عنه بعبارات مختلفة ، وهو الكفر باللّه تعالى ، وبين في موضع آخر شدة تشويه وجوههم بزرقة العيون وهو قوله : وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقاً ( 102 ) [ طه : 102 ] وأقبح صورة أن تكون الوجوه مسودا والعيون زرقا ، ألا ترى الشاعر لما أراد أن يصور علل البخيل في أقبح صورة وأشوهها اقترح لها زرقة العيون ، واسوداد الوجوه في قوله : وللبخيل على أمواله علل * زرق العيون عليها أوجه سود قوله تعالى : مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ يَتْلُونَ آياتِ اللَّهِ آناءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ ( 113 ) [ 113 ] . ذكر هنا من صفات هذه الطائفة المؤمنة من أهل الكتاب أنها قائمة . أي : مستقيمة على الحق وأنها تتلو آيات اللّه آناء الليل وتصلي وتؤمن باللّه وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر . وذكر في موضع آخر أنها تتلو الكتاب حق تلاوته وتؤمن باللّه وهو قوله : الَّذِينَ