الشنقيطي
22
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
الشيء ، كقوله في ظل أهل النار : انْطَلِقُوا إِلى ما كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ ( 29 ) انْطَلِقُوا إِلى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ ( 30 ) لا ظَلِيلٍ وَلا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ ( 31 ) [ المرسلات : 29 - 31 ] مع ذكر أوصاف ظل أهل الجنة كما قدمنا . ومن أهم أنواع البيان المذكورة فيه أن يشير تعالى في الآية من غير تصريح إلى برهان يكثر الاستدلال به في القرآن العظيم على شيء ، فإنا نبين ذلك ، ومثاله قوله تعالى : يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ( 21 ) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً وَالسَّماءَ بِناءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ [ البقرة : 21 - 22 ] ، فقد أشار تعالى في هذه الآية الكريمة إلى ثلاثة براهين من براهين البعث يكثر الاستدلال على البعث بكل واحد منها في القرآن : الأول : خلق الخلائق أولا ، فإنه من أعظم الأدلة على القدرة على الخلق مرة أخرى ، وقد أشار تعالى إلى هذا البرهان هنا بقوله : الَّذِي خَلَقَكُمْ [ البقرة : 21 ] الآية - وأوضحه في آيات كثيرة كقوله : قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ [ يس : 79 ] وقوله : وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ [ الروم : 27 ] وقوله : يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ تُرابٍ [ الحج : 5 ] والآيات بمثل هذا كثيرة جدا . الثاني : خلق السماوات والأرض ؛ لأن من خلق ما هو أكبر وأعظم فهو قادر على خلق ما هو أصغر بلا شك ، وأشار لذلك هنا بقوله : الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً وَالسَّماءَ بِناءً [ البقرة : 22 ] وأوضحه في آيات كثيرة كقوله : أَ أَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّماءُ بَناها ( 27 ) [ النازعات : 27 ] الآية - ، وقوله : أَ وَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ ( 81 ) [ يس : 81 ] ، وقوله : لَخَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ [ غافر : 57 ] والآيات بمثل هذا كثيرة أيضا . الثالث : إحياء الأرض بعد موتها ، وقد أشار له هنا بقوله : وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ [ البقرة : 22 ] ، وأوضحه في آيات كثيرة كقوله : إِنَّ الَّذِي أَحْياها لَمُحْيِ الْمَوْتى [ فصلت : 39 ] ، وقوله : وَيُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَكَذلِكَ تُخْرَجُونَ [ الروم : 19 ] ، وقوله : وَأَحْيَيْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً كَذلِكَ الْخُرُوجُ ( 11 ) [ ق : 11 ] ، والآيات بمثل ذلك كثيرة أيضا ، وسترى إن شاء اللّه تعالى أمثلة كثيرة للبراهين الثلاثة المذكورة في محلها . ومن أنواع البيان المذكورة فيه أن يذكر لفظ عام ، ثم يصرح في بعض المواضع بدخول بعض أفراد ذلك العام فيه كقوله : ذلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللَّهِ [ الحج : 32 ] الآية - فقد صرح بدخول البدن في هذا العموم بقوله بعده : وَالْبُدْنَ جَعَلْناها لَكُمْ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ [ الحج : 36 ] الآية .