الشنقيطي
184
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
وعلى هامش النسخة أن بعد قوله وهذا موافق بياضا بالأصل ، وبهذا الجواب الذي ذكرنا تعلم : أن حديث البراء وزيد لا يحتاج بعد هذا الجواب إلى شيء ؛ لأنه قد ثبت في الصحيح عنهما تصريحهما باختلاف الجنس فارتفع الإشكال ، والروايات يفسر بعضها بعضا ، فإن قيل : هذا لا يكفي في الحكم على الرواية الثابتة في الصحيح بجواز التفاضل بين الدراهم والدراهم أنها خطأ ؛ إذ لقائل أن يقول لا منافاة بين الروايات المذكورة ، فإن منها ما أطلق فيه الصرف ومنها ما بين أنها دراهم بدراهم ، فيحمل المطلق على المقيد ، جمعا بين الروايتين . فإن إحداهما بينت ما أبهمته الأخرى ، ويكون حديث حبيب بن أبي ثابت حديثا آخر واردا في الجنسين ، وتحريم النساء فيهما ، ولا تنافي في ذلك ولا تعارض . فالجواب على تسليم هذا بأمرين : أحدهما أن إباحة ربا الفضل منسوخة . والثاني : أن أحاديث تحريم ربا الفضل أرجح وأولى بالاعتبار على تقدير عدم النسخ من أحاديث إباحته . ومما يدل على النسخ ما ثبت في الصحيح عن أبي المنهال قال : باع شريك لي ورقا بنسيئة إلى الموسم أو إلى الحجّ ، فجاء إليّ فأخبرني فقلت هذا أمر لا يصحّ ، قال قد بعته في السّوق فلم ينكر ذلك عليّ أحد ، فأتيت البراء بن عازب فسألته فقال قدم النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلم المدينة ونحن نبيع هذا البيع ، فقال « ما كان يدا بيد فلا بأس به ، وما كان نسيئة فهو ربا » ، وأتيت زيد بن أرقم فإنه أعظم تجارة منّي ، فأتيته فسألته فقال مثل ذلك . هذا لفظ مسلم في صحيحه « 1 » . وفيه التصريح بأن إباحة ربا الفضل المذكورة في حديث البراء بن عازب وزيد بن أرقم كانت مقارنة لقدومه صلّى اللّه عليه وسلم المدينة مهاجرا . وفي بعض الروايات الصحيحة في تحريم ربا الفضل أنه صلّى اللّه عليه وسلم صرح بتحريمه في يوم خيبر ، وفي بعض الروايات الصحيحة تحريم ربا الفضل بعد فتح خيبر أيضا ، فقد ثبت في الصحيح من حديث فضالة بن عبيد الأنصاريّ رضي اللّه عنه قال : أتي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وهو بخيبر بقلادة فيها خرز وذهب ، وهي من المغانم تباع ، فأمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم بالذّهب الّذي في القلادة فنزع وحده ، ثمّ قال لهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « الذّهب بالذّهب وزنا بوزن » هذا لفظ مسلم في صحيحه « 2 » ، وفي لفظ له في صحيحه أيضا عن فضالة بن عبيد قال : اشتريت يوم خيبر قلادة باثني عشر دينارا فيها ذهب وخرز ففصّلتها فوجدت فيها أكثر من اثني عشر دينارا ، فذكرت ذلك للنّبيّ صلّى اللّه عليه وسلم فقال : « لا تباع حتّى تفصّل » « 3 » وفي لفظ له في صحيحه أيضا عن فضالة رضي اللّه عنه قال : « كنا مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يوم خيبر نبايع اليهود الوقيّة الذّهب بالدّينارين والثّلاثة ، فقال
--> ( 1 ) كتاب المساقاة حديث 86 . ( 2 ) كتاب المساقاة حديث 89 . ( 3 ) أخرجه مسلم في المساقاة حديث 90 .