الشنقيطي
174
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
للوجوب وليس لأحد أن يقول لست متقيا مثلا ؛ لوجوب التقوى على جميع الناس قال القرطبي في تفسير قوله تعالى ومتعوهن الآية ما نصه : وقوله على المتقين تأكيد لإيجابها ؛ لأن كل واحد يجب عليه أن يتقي اللّه في الإشراك به ومعاصيه وقد قال تعالى في القرآن : هُدىً لِلْمُتَّقِينَ ( 2 ) [ البقرة : 2 ] ، وقولهم لو كانت واجبة لعين القدر الواجب فيها ، ظاهر السقوط . فنفقة الأزواج والأقارب واجبة ولم يعين فيها القدر اللازم ، وذلك النوع من تحقيق المناط مجمع عليه في جميع الشرائع كما هو معلوم . قوله تعالى : أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْياهُمْ [ 243 ] . المقصود من هذه الآية الكريمة ، تشجيع المؤمنين على القتال بإعلامهم بأن الفرار من الموت لا ينجي ، فإذا علم الإنسان أن فراره من الموت أو القتل لا ينجيه ، هانت عليه مبارزة الأقران ؛ والتقدم في الميدان . وقد أشار تعالى أن هذا هو مراده بالآية حيث أتبعها بقوله : وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ [ البقرة : 190 ] الآية صرح بما أشار إليه هنا في قوله : قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذاً لا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا ( 16 ) [ الأحزاب : 16 ] وهذه أعظم آية في التشجيع على القتال ؛ لأنها تبين أن الفرار من القتل لا ينجي منه ولو فرض نجاته منه فهو ميت عن قريب ، كما قال قعنب ابن أم صاحب : إذا أنت لاقيت في نجدة * فلا تتهيبك أن تقدما فإن المنية من يخشها * فسوف تصادفه أينما وإن تتخطاك أسبابها * فإن قصاراك أن تهرما وقال زهير : رأيت المنايا خبط عشواء من تصب * تمته ومن تخطىء يعمر فيهرم وقال أبو الطيب : وإذا لم يكن من الموت بد * فمن العجز أن تموت جبانا ولقد أجاد من قال : في الجبن عار وفي الإقدام مكرمة * والمرء في الجبن لا ينجو من القدر وهذا هو المراد بالآيات المذكورة ، ويؤخذ من هذه الآية عدم جواز الفرار من الطاعون إذا وقع بأرض وأنت فيها ، وقد ثبت عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم النهي عن الفرار من الطاعون