الشنقيطي

160

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

مجتمعة لا متفرقة . وأما على كون معنى حديث طاوس أن الثلاث التي كانت تجعل واحدة على عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وأبي بكر ، هي المجموعة بلفظ واحد فإنه على هذا يتعين النسخ كما جزم به أبو داود رحمه اللّه ، وجزم به ابن حجر في فتح الباري ، وهو قول الشافعي كما قدمنا عنه ، وقال به غير واحد من العلماء . وقد رأيت النصوص الدالة على النسخ التي تفيد أن المراد بجعل الثلاث واحدة . أنه في الزمن الذي كان لا فرق فيه بين واحدة وثلاث ، ولو متفرقة : لجواز الرجعة ولو بعد مائة تطليقة . متفرقة كانت أو لا . وأن المراد بمن كان يفعله في زمن أبي بكر هو من لم يبلغه النسخ ، وفي زمن عمر اشتهر النسخ بين الجميع . وادعاء أن مثل هذا لا يصح يرده بإيضاح وقوع مثله في نكاح المتعة ، فإنا قد قدمنا أن مسلما روى عن جابر أنها كانت تفعل على عهد النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، وأبي بكر ، وفي بعض من زمن عمر قال : فنهانا عنها عمر . وهذه الصورة هي التي وقعت في جعل الثلاث واحدة ، والنسخ ثابت في كل واحدة منهما ، فادعاء إمكان إحداهما واستحالة الأخرى في غاية السقوط كما ترى ؛ لأن كل واحدة منهما ، روى فيها مسلم في صحيحه عن صحابي جليل ، أن مسألة تتعلق بالفروج كانت تفعل في زمن النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، وأبي بكر وصدرا من إمارة عمر ، ثم غير حكمها عمر ، والنسخ ثابت في كل واحدة منهما . وأما غير هذين الأمرين فلا ينبغي أن يقال ؛ لأن نسبة عمر بن الخطاب - رضي اللّه عنه - وعبد اللّه بن عباس - رضي اللّه عنهما - وخلق من أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم إلى أنهم تركوا ما جاء به النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، وجاءوا بما يخالفه من تلقاء أنفسهم عمدا غير لائق ، ومعلوم أنه باطل بلا شك . وقد حكى غير واحد من العلماء أن الصحابة أجمعوا في زمن عمر على نفوذ الطلاق الثلاث دفعة واحدة . والظاهر أن مراد المدعي لهذا الإجماع هو الإجماع السكوتي ، مع أن بعض العلماء ذكر الخلاف في ذلك عن جماعة من الصحابة والتابعين . وقد قدمنا كلام أبي بكر بن العربي القائل : بأن نسبة ذلك إلى بعض الصحابة كذب بحت ، وأنه لم يثبت عن أحد منهم جعل الثلاث بلفظ واحد واحدة ، وما ذكره بعض أجلاء العلماء من أن عمر إنما أوقع عليهم الثلاث مجتمعة عقوبة لهم ، مع أنه يعلم أن ذلك خلاف ما كان عليه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم والمسلمون في زمن أبي بكر - رضي اللّه عنه - فالظاهر عدم نهوضه ؛ لأن عمر لا يسوغ له أن يحرم فرجا أحله رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، فلا يصح منه أن يعلم أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يبيح ذلك الفرج بجواز الرجعة ويتجرأ هو على منعه بالبينونة الكبرى ، واللّه تعالى يقول : وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ [ الحشر : 7 ] الآية ، ويقول : آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ ( 59 ) [ يونس :